إخباري
الخميس ٥ فبراير ٢٠٢٦ | الخميس، ١٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

الأسواق النفطية ترقب السياسة: تداعيات الأزمات الجيوسياسية على العرض والطلب العالمي

وكالة الطاقة الدولية تتوقع فائضاً كبيراً مع تزايد الإمدادات

الأسواق النفطية ترقب السياسة: تداعيات الأزمات الجيوسياسية على العرض والطلب العالمي
عبد الفتاح يوسف
منذ 1 أسبوع
192

Global - وكالة أنباء إخباري

يبدو أن الأسواق العالمية للنفط تستمر في رحلة محفوفة بالتقلبات، حيث تتصارع القوى الاقتصادية مع التحديات الجيوسياسية المعقدة. في تقريرها الشهري لشهر يناير، قدمت وكالة الطاقة الدولية (IEA) صورة شاملة لتوقعات سوق النفط لعام 2026، كاشفة عن توقعات بنمو قوي في الطلب العالمي بالتوازي مع زيادة ملحوظة في العرض. ومع ذلك، فإن هذه التوقعات مشوبة بظلال من عدم اليقين، لا سيما فيما يتعلق بالتطورات السياسية في المناطق المنتجة الرئيسية وتأثيرها على استقرار الإمدادات.

وفقاً لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على النفط في عام 2026 بمقدار 932 ألف برميل يومياً (ب/ي)، ليصل إجمالي الطلب إلى 104.98 مليون برميل يومياً. وتعتبر هذه التوقعات أعلى من التقديرات السابقة للوكالة في ديسمبر، والتي كانت تشير إلى نمو قدره 863 ألف برميل يومياً. ويعزى هذا الارتفاع المتوقع في الطلب إلى عاملين رئيسيين: الأول هو استمرار تطبيع الأوضاع الاقتصادية العالمية بعد "اضطرابات التعريفة الجمركية" التي شهدها عام 2025، مما يعكس تعافياً تدريجياً في النشاط الاقتصادي العالمي. أما العامل الثاني فهو الانخفاض النسبي في أسعار النفط، مما يشجع على زيادة الاستهلاك. ويتوقع المحللون أن يأتي الجزء الأكبر من هذا النمو في الطلب من البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، مدفوعاً بالتوسع الصناعي والنمو السكاني في الاقتصادات الناشئة.

على صعيد العرض، يتوقع تقرير الوكالة أن ترتفع الإمدادات العالمية من النفط لتصل إلى 108.7 مليون برميل يومياً في عام 2026، بزيادة قدرها 2.5 مليون برميل يومياً عن العام السابق. وهذه أيضاً مراجعة صعودية عن توقعات الشهر الماضي التي كانت تشير إلى نمو قدره 2.4 مليون برميل يومياً. ويُعزى هذا النمو بشكل أساسي إلى زيادة النشاط الإنتاجي في دول خارج تحالف "أوبك بلس"، مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل. ففي الولايات المتحدة، تستمر ثورة النفط الصخري في دفع عجلة الإنتاج، بينما تستفيد كندا من استثماراتها في الرمال النفطية، وتواصل البرازيل تعزيز إنتاجها من حقول المياه العميقة. ونتيجة لذلك، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز عرض النفط الطلب بنحو 3.7 مليون برميل يومياً، مما يعني فائضاً كبيراً في السوق قد يكون أعلى من الفائض المسجل في العام الماضي والبالغ 2.16 مليون برميل يومياً. يشير هذا الفائض المحتمل إلى ضغوط هبوطية على الأسعار، مما يضع تحديات أمام جهود "أوبك بلس" لإدارة استقرار السوق.

ومع ذلك، لا تخلو هذه التوقعات من عنصر عدم اليقين. تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن "التوترات الجيوسياسية" في مناطق رئيسية مثل إيران وفنزويلا تلقي بظلالها على دقة التنبؤات. ففي إيران، شهدت الإمدادات النفطية انخفاضاً قدره 350 ألف برميل يومياً في ديسمبر، لتصل إلى 1.6 مليون برميل يومياً. ورغم أن هناك احتمالاً لارتفاع هذه الإمدادات في الأشهر المقبلة، إلا أن العقوبات الدولية المفروضة على طهران، والخلافات حول برنامجها النووي، تستمر في جعل وضع صادراتها النفطية غير مستقر ومتقلب. إن أي تصعيد في التوترات الإقليمية قد يؤثر بشكل مباشر على قدرة إيران على تصدير نفطها، والذي يُعد شرياناً حيوياً لاقتصادها.

أما فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم تقدر بنحو 303.2 مليار برميل (أي حوالي 20% من الإجمالي العالمي)، فقد شهدت تدهوراً حاداً في قدرتها على الإنتاج والتصدير. خلال الأسبوعين الأولين من يناير، انخفضت صادرات النفط الفنزويلية بشكل كبير، بواقع 880 ألف برميل يومياً، لتصل إلى 300 ألف برميل يومياً فقط، وهو ما يمثل انخفاضاً بنحو الثلثين. ويعود هذا التراجع المستمر منذ سنوات إلى مزيج من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي. وقد أدت هذه الظروف إلى تقادم البنية التحتية ونقص الاستثمارات وتهالك معدات الإنتاج، مما يحد من قدرة البلاد على استغلال احتياطياتها الهائلة. ويشير التقرير إلى أن عدم القدرة على تصدير النفط يؤدي إلى تزايد المخزونات داخل البلاد، مما يفرض في بعض الأحيان ضرورة إيقاف الإنتاج جزئياً.

لطالما كانت الصين وجهة رئيسية للنفط الفنزويلي، حيث كانت تمثل أكثر من 6% من إجمالي واردات النفط الصينية. ومع تراجع الإمدادات الفنزويلية، يتوقع المحللون أن تجد روسيا فرصة لتعويض هذه الفجوة في السوق الصينية، نظراً لاهتمامها المتزايد بزيادة شحناتها إلى بكين. تظهر بيانات الجمارك الصينية أن روسيا لا تزال تحتفظ بمكانتها كمصدر رئيسي للنفط إلى الصين، حتى مع تراجع حجم وقيمة الإمدادات الروسية في عام 2025 بسبب العقوبات الغربية وقيود الأسعار.

في ديسمبر، شهدت الصادرات النفطية الروسية نمواً للمرة الأولى منذ عدة أشهر. ارتفعت صادرات النفط الخام الروسي بمقدار 250 ألف برميل يومياً لتصل إلى 4.91 مليون برميل يومياً، بينما زادت صادرات المنتجات النفطية بمقدار 370 ألف برميل يومياً لتصل إلى 2.63 مليون برميل يومياً. وقد أسهم هذا النمو في زيادة إجمالي الإيرادات من الصادرات بمقدار 0.25 مليار دولار، لتصل إلى 11.35 مليار دولار. ومع ذلك، يظل نمو الإيرادات ضعيفاً نسبياً، ويرجع ذلك جزئياً إلى اتساع الفجوة السعرية (الخصم) بين خام الأورال الروسي وخام برنت العالمي. ووفقاً لبيانات "أرجوس"، انخفض متوسط سعر خام الأورال في ديسمبر إلى 35.6 دولار للبرميل، مقارنة بـ 41.1 دولار في نوفمبر، مما يعكس تأثير سقف الأسعار الذي فرضته مجموعة السبع والتحولات في مسارات التجارة العالمية.

إلى جانب هذه التحديات، تضاف الأزمات الجيوسياسية الأوسع، مثل التوترات في البحر الأحمر، والتي تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية للشحن البحري، بما في ذلك شحنات النفط. على الرغم من أن التقرير لم يفصل تأثيرها المباشر على أسعار النفط، إلا أن إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح يؤدي إلى زيادة التكاليف وأوقات الشحن، مما قد يضيف ضغوطاً تصاعدية على أسعار النقل والمنتجات النفطية على المدى الطويل، وإن كان تأثيرها على سعر النفط الخام الفوري معتدلاً حتى الآن بسبب وفرة المعروض.

في الختام، ترى وكالة الطاقة الدولية أنه من السابق لأوانه تقييم التأثير طويل الأجل للأحداث السياسية الأخيرة على أسواق النفط. وفي الوقت الراهن، وعلى الرغم من المخاطر المستمرة المتعلقة باستقرار الشحنات، فإن ارتفاع أسعار النفط يظل مقيداً بفائض المعروض وارتفاع مستويات المخزونات العالمية. ففي نوفمبر، زادت المخزونات العالمية بمقدار 75.3 مليون برميل، لتصل إلى حوالي 8.1 مليار برميل، وتشير البيانات الأولية إلى استمرار نمو المخزونات في ديسمبر. هذا الوضع يشير إلى أن السوق لا يزال يتمتع بمرونة كافية لاستيعاب بعض الصدمات الجيوسياسية دون حدوث ارتفاعات حادة في الأسعار، طالما استمرت مستويات الإنتاج العالمية في تجاوز الطلب بشكل كبير.

الكلمات الدلالية: # سوق النفط، وكالة الطاقة الدولية، نفط فنزويلا، نفط روسيا، إيران، العرض والطلب، أسعار النفط، سياسات الطاقة، الأزمات الجيوسياسية، احتياطيات النفط العالمية، البحر الأحمر، خام الأورال