إخباري
الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

لا للثلج الاصطناعي: منتجع نمساوي يتخذ مساراً أصيلاً

كيف حولت قرية فيلاتاخ الجبلية مصيرها من الاعتماد على الثلج ا

لا للثلج الاصطناعي: منتجع نمساوي يتخذ مساراً أصيلاً
Ekhbary
منذ 5 يوم
42

النمسا - وكالة أنباء إخباري

لا للثلج الاصطناعي: منتجع نمساوي يتخذ مساراً أصيلاً

في قلب جبال الألب النمساوية، حيث تتناقص الثلوج الطبيعية عاماً بعد عام بسبب تغير المناخ، واجهت بلدة فيلاتاخ قراراً مصيرياً: إما الاستثمار بكثافة في المدافع الثلجية لإنتاج الثلج الصناعي، أو إعادة ابتكار نفسها بالكامل. اختارت البلدة، الواقعة في منطقة كارينثيا الجنوبية، المسار الثاني، وحولت جبل دوبراش، الذي كان يوماً ما منتجعاً للتزلج، إلى منتزه طبيعي نابض بالحياة، مقدماً نموذجاً فريداً للاستدامة والتكيف البيئي.

كان جبل دوبراش، المعروف محلياً باسم "جبل السكان المحليين" (Hausberg)، يمثل وجهة شهيرة للتزلج حتى عام 2002. لكن الشتاء القاسي الذي شهدته المنطقة في مطلع القرن الحادي والعشرين، والذي تميز بانخفاض غير مسبوق في تساقط الثلوج، أجبر المسؤولين والسكان على إعادة التفكير في مستقبل الجبل. كانت خياراتهم محدودة: إما الانخراط في سباق تسلح مكلف وغير مستدام لإنتاج الثلج الصناعي، المعروف في النمسا باسم "Maschinenschnee"، أو البحث عن بديل يحافظ على طبيعة المنطقة.

لم يكن قرار الاعتماد على الثلج الصناعي قراراً سهلاً، خاصة بالنظر إلى التكاليف البيئية والاقتصادية المرتبطة به. يشير الخبراء، مثل عالمة المياه البروفيسورة كارمن دي يونغ، إلى أن إنتاج الثلج الصناعي يستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه، وغالباً ما يتطلب ضخ المياه من الوديان إلى المرتفعات. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤثر هذا النوع من الثلج سلباً على النظم البيئية الهشة، حيث قد يحمل معه بكتيريا مسببة للأمراض أو مقاومة للإجهاد، والتي يمكن أن تنتشر في الثلج الذائب والتربة.

في حالة دوبراش، كان القلق الأكبر للسكان يتمحور حول التأثير المحتمل للثلج الصناعي على نقاء مياه الشرب. تعتمد البلدة على نظام كهوف كارست الحجر الجيري في الجبل لتوفير المياه، وكان هناك تخوف حقيقي من أن يؤدي إدخال الثلج الصناعي إلى تلويث هذا المصدر الحيوي. دفعت هذه المخاوف، جنباً إلى جنب مع الرغبة في الحفاظ على البيئة الطبيعية، المجتمع المحلي إلى اتخاذ قرار تاريخي بإغلاق منتجع التزلج وتحويل الجبل إلى منتزه طبيعي مجتمعي.

لم يكن هذا التحول مجرد استجابة للأزمة البيئية، بل كان أيضاً رؤية استراتيجية لتطوير وجهة سياحية مستدامة ومتنوعة. يوفر منتزه دوبراش الطبيعي الآن مجموعة واسعة من الأنشطة الترفيهية على مدار العام للسكان المحليين والسياح على حد سواء. يمكن الوصول إلى المنتزه بسهولة عن طريق حافلة بتكلفة رمزية (5 يورو) من فيلاتاخ، أو عن طريق السيارات الخاصة مع رسوم وقوف معقولة. يضمن هذا النهج أن تظل المنطقة متاحة للجميع، مع التركيز على الحفاظ على التوازن بين الاستخدام البشري والطبيعة.

تعد حماية التنوع البيولوجي المحلي جزءاً لا يتجزأ من هوية منتزه دوبراش. يوفر المنتزه موطناً آمناً لمجموعة متنوعة من الحيوانات البرية، بما في ذلك الأرانب الجبلية، والشمواه، وطائر التدرج، وطائر الدراج الأسود. كما يلعب دوراً تعليمياً هاماً، حيث يشارك طلاب المدارس بانتظام في فصول دراسية بيئية داخل المنتزه، مما يعزز الوعي بأهمية الحفاظ على الطبيعة لدى الأجيال القادمة.

يتم تشجيع الزوار على احترام المناطق الطبيعية المحددة والالتزام بالمسارات المعدة بعناية. يوفر المنتزه ثلاثة مسارات للمشي الشتوي تتراوح مدتها بين 30 دقيقة وساعتين، وأربعة مسارات للتزلج الريفي (ski touring) تتراوح مدتها بين ساعة ونصف وثلاث ساعات، بالإضافة إلى مسار للتزلج الريفي الطويل ودرب للانزلاق على الزلاجات (toboggan). هذه المسارات مصممة لتلبية مستويات لياقة مختلفة، مما يضمن تجربة ممتعة للجميع.

خلال زيارة ميدانية، سنحت الفرصة للسير على أحد المسارات المؤدية إلى قمة الجبل (2166 متراً)، عبر "Dobratsch Gipfelhaus". على الرغم من أن الضباب الكثيف قطع الاستمتاع بالمناظر البانورامية لسلوفينيا وإيطاليا المجاورتين، إلا أن التجربة كانت لا تزال ساحرة. المشي على الثلج الطبيعي، الذي يصدر صوتاً مميزاً تحت الأقدام، أثار مشاعر الحنين إلى عطلات الشتاء التقليدية. على عكس الثلج الصناعي، الذي غالباً ما يكون صلباً ويشبه الجليد، يتميز الثلج الطبيعي بملمسه الناعم وجماله الخلاب.

يختلف الثلج الطبيعي تماماً عن "Maschinenschnee" الذي يواجه صعوبة في الحفاظ على جاذبيته. فبخلاف التأثيرات البيئية والمالية السلبية، فإن الثلج الصناعي ليس مريحاً للمشي عليه، ناهيك عن التزلج أو التزلج على الجليد. غالباً ما يكون صلباً، ثقيلاً، وأكثر شبهاً بالجليد، مما يفسد تجربة التزلج. في المقابل، فإن الثلج الطبيعي، حتى عندما لا يكون كافياً لتشغيل أحذية الثلج، يظل يوفر تجربة حسية فريدة.

في المقارنة، فإن منتجعات تعتمد بشكل كبير على الثلج الصناعي، مثل سانت أنتون في غرب النمسا، تكافح للحفاظ على واجهة من الكسل. يمكن سماع أزيز المدافع الثلجية باستمرار، حتى في الليل، وهي تنفث سحابات من الضباب الأبيض. تجربة التزلج على هذه المسارات الاصطناعية، المحاطة بتلال خضراء باهتة، قد تكون مربكة. الضباب الناتج عن المدافع الثلجية أخف من المطر ولكنه أكثر خشونة من الثلج الحقيقي، ولا يمتلك جمال رقاقات الثلج الطبيعية، حيث يتبخر تقريباً بمجرد ملامسته للملابس.

ومع ذلك، فمن السهل فهم سبب لجوء العديد من محطات التزلج إلى المدافع الثلجية للحفاظ على استمراريتها الاقتصادية. تمكنت سانت أنتون، التي لم تشهد ثلوجاً طبيعية حقيقية منذ نوفمبر، من فتح أبوابها بالكامل لاستقبال حشود رأس السنة الجديدة، وهو إنجاز كبير يعتمد عليه العديد من الشركات المحلية والسكان المحليين الذين يعتمدون على السياحة.

يبرز قرار دوبراش كنموذج ملهم للمجتمعات الجبلية التي تواجه تحديات مماثلة. من خلال تبني الاستدامة، والحفاظ على البيئة، وتطوير منتزه طبيعي مجتمعي، لم تنجح فيلاتاخ في الحفاظ على تراثها الطبيعي فحسب، بل خلقت أيضاً وجهة سياحية فريدة ومستدامة تستقطب الزوار الباحثين عن تجارب أصيلة وطبيعية. إن قصة دوبراش هي شهادة على أن "الحفاظ على الأصالة" يمكن أن يكون استراتيجية أكثر قيمة واستدامة من السعي وراء "الواقعية المصطنعة".

الكلمات الدلالية: # النمسا # فيلاتاخ # دوبراش # منتزه طبيعي # ثلج صناعي # تغير المناخ # استدامة # سياحة بيئية # جبال الألب # كارينثيا