نعيش اليوم زمنًا مقلوب المعايير، زمنًا لم تعد فيه البطولة تُصنع بالعلم أو العمل أو الموهبة، بل بالضجيج، والغرابة، و«التريند». زمنٌ تحوّل فيه الفراغ إلى صناعة، وأصبح من لا شيء يُقدَّم على أنه بطل، بينما يُهمَّش أصحاب القيمة الحقيقية.
ما يحدث على السوشيال ميديا ليس بريئًا ولا عفويًا، بل هو تصنيع ممنهج لأبطال من فراغ، يتم نفخهم إعلاميًا حتى يصدق البعض أنهم قصة نجاح، في حين أنهم في الحقيقة مجرد ظاهرة مؤقتة، صنعتها المشاهدات لا الإنجازات.
نماذج تتصدر بلا مضمون
أسماء مثل كروان، محمد كشري، إنجي وأم مكة،
و بعض تيك توكرز، العندليب الأبيض، شبيه جعفر العمدة، وملك جمال الشرقية، لم تظهر لأنها قدمت إضافة حقيقية للمجتمع، ولا لأنها تمتلك موهبة استثنائية، بل لأنها أتقنت لعبة الجدل، والضوضاء، وإثارة الانتباه بأي ثمن.
المشكلة ليست في الظهور، فكل إنسان من حقه أن يظهر،
المشكلة في تحويل هذا الظهور الفارغ إلى بطولة،
وفي تقديم التفاهة على أنها إنجاز،
والفراغ على أنه نجاح.
الكارثة الأخلاقية والفكرية
الكارثة الحقيقية أن هذه النماذج تُرسل رسالة خطيرة جدًا:
لا تتعب… التريند يكفي
لا تتعلم… الكاميرا أهم
لا تنجز… الصراخ يوصل
وهكذا يتم تدمير مفهوم القدوة، ويُزرع في عقول الشباب أن الطريق الأسرع هو الطريق الأسهل، ولو كان بلا قيمة أو مضمون.
من المتهم؟
المتهمون كُثر:
جمهور بلا وعي يصنع النجومية بالمشاركة والتعليق
إعلام متعطش للمشاهدة حتى لو كانت على حساب الذوق والعقل
منصات تواصل تكافئ التفاهة وتعاقب المحتوى الجاد
كلهم شركاء في جريمة اسمها: صناعة أبطال من فراغ.
الخلاصة
الأمم لا تنهض بالتيك توك،
ولا تُبنى بالتريند،
ولا تتقدم بأبطال بلا مضمون.
البطل الحقيقي هو من يضيف،
من يعمل،
من يُصلح،
من يترك أثرًا لا ضجيجًا.
أما أبطال الفراغ…
فمصيرهم معروف:
ضوء سريع، شهرة مؤقتة، ثم سقوط مدوٍ في أول نسيان