إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

ليف ياشين: "العنكبوت الأسود" الذي غيّر وجه حراسة المرمى في كرة القدم

من عمال المصانع إلى أسطورة الملعب، قصة الحارس الروسي الأيقون

ليف ياشين: "العنكبوت الأسود" الذي غيّر وجه حراسة المرمى في كرة القدم
Matrix Bot
منذ 5 يوم
19

روسيا - وكالة أنباء إخباري

ليف ياشين: "العنكبوت الأسود" الذي غيّر وجه حراسة المرمى في كرة القدم

في عالم كرة القدم الذي اتسم بالحزن في ديسمبر الماضي بوفاة بيليه، أحد العظماء الذين لا جدال فيهم في اللعبة، لم يكن العالم الرياضي الروسي استثناءً. فبينما كانت التكريمات تتدفق من كل حدب وصوب للاعب البرازيلي الأسطوري الذي غيّر وجه رياضته، وجدت روسيا نفسها تستحضر ذكرى بطلها القومي، ليف ياشين. لم يكن ياشين مجرد لاعب كرة قدم؛ بل كان رمزًا للقوة والمرونة، حارس مرمى ترك بصمة لا تُمحى، وأصبح اسمه مرادفًا للبراعة في مركز كان يُنظر إليه تقليديًا على أنه أقل بريقًا من أدوار الهجوم.

بينما اشتهر بيليه بقدرته على هز الشباك، بنى ياشين سمعته على منع الخصوم من فعل ذلك. بصفته حارس مرمى لا مثيل له، ظل ياشين، المعروف بلقب "العنكبوت الأسود"، "الأخطبوط الأسود"، و"الفهد الأسود"، معيارًا للتألق في مركز حراسة المرمى لعقود طويلة بعد اعتزاله. هذا الإرث، الذي استمر لأكثر من 50 عامًا بعد آخر مباراة له وأكثر من ثلاثة عقود بعد وفاته، يؤكد على مكانته الأسطورية.

إذا كان بيليه ليُختار لقيادة هجوم أي فريق خيالي عبر التاريخ، فإن الاسم الذي سيُختار بلا شك لحماية العرين سيكون ليف ياشين. لم تأتِ ألقابه الشهيرة من فراغ؛ بل كانت انعكاسًا لقدراته الخارقة، ورشاقته المذهلة، وقدرته على تغطية مرماه الواسع، بالإضافة إلى زيه التقليدي الذي تميز بقبعته المسطحة الشهيرة. كان ياشين رائدًا في عصره، حارس مرمى سوفيتي مهيب، صاغ مسيرة مهنية أسطورية امتدت لعقدين من الزمن، تاركًا وراءه إرثًا من الإنجازات والذكريات.

بلغت شهرة ياشين ذروتها لدرجة أن مجلة "فرانس فوتبول" المرموقة، التي تمنح سنويًا جائزة لأفضل حارس مرمى في العالم، أطلقت على هذه الجائزة اسم "جائزة ليف ياشين". هذا التكريم يؤكد على الاعتراف العالمي بمساهماته التي لا تقدر بثمن في تطوير مركز حراسة المرمى. وفي 20 مارس، الذي يوافق الذكرى 33 لوفاة ياشين عن عمر يناهز 60 عامًا، يتذكر الكثيرون قصة حياته المذهلة، مسيرة أعظم أيقونات كرة القدم الروسية.

لم تكن بداية ياشين في عالم كرة القدم واعدة. ولد في موسكو في 22 أكتوبر 1929، لعائلة من العمال الصناعيين، ولم يكن يبدو مقدرًا له الخلود في عالم كرة القدم. قبل بلوغه سن المراهقة، كان يعمل في المصنع، مساهمًا في المجهود الحربي الروسي خلال الحرب العالمية الثانية. استمر ياشين في عمله بالمصنع بعد الحرب، لكنه عانى مما وصفه بـ "انهيار عصبي" في سن الثامنة عشرة، حيث أخذت تجربة الحرب والعمل الشاق ثمنها. كتب ياشين في سيرته الذاتية: "هل كان اكتئابًا؟ لا أعرف. الإرهاق المتراكم على مر السنين بدأ يظهر، وشيء ما بداخلي انكسر فجأة. في ذلك الوقت، لم أشعر بشيء سوى الفراغ".

لكن الرياضة، بشتى أشكالها، كانت بمثابة المنفذ الحيوي الذي فتح له آفاقًا جديدة. كان ياشين، الذي كان بالفعل لاعبًا شغوفًا بكرة القدم وهوكي الجليد، قد نصحه أحد زملائه بالتطوع للخدمة العسكرية. وصف ياشين هذه الخطوة بأنها "خلاصه"، حيث تمكن من الجمع بين عشقه لكرة القدم وواجباته العسكرية الجديدة. هذه الفترة في الجيش لم تكن مجرد خدمة وطنية، بل كانت نقطة تحول شكلت مستقبله الرياضي.

بعد أن لفت الأنظار في عام 1949، دُعي ياشين للانضمام إلى صفوف الشباب في نادي دينامو موسكو، أحد الأندية العملاقة في العاصمة الروسية. كان هذا النادي قد أحدث ضجة كبيرة بجولته التاريخية في المملكة المتحدة عام 1945، حيث حقق الفريق نتائج لافتة بالبقاء دون هزيمة في أربع مباريات ضد فرق محلية يُفترض أنها متفوقة. ومع ذلك، لم تكن بداية ياشين مع الفريق الأول لدينامو في عام 1950 مشرقة؛ فقد تلقت شباكه هدفًا سهلاً ساهم جزئيًا في مشاركته في مباراتين فقط في الدوري ذلك العام. كان هناك أيضًا منافس قوي في طريقه، أليكسي "النمر" خوميتش، وهو شخصية مرموقة أبقته بعيدًا عن التشكيلة الأساسية في بداية مسيرته.

بدلاً من البحث عن فرصة للعب المنتظم في فريق آخر، أصبح ياشين مصممًا على إثبات نفسه في دينامو موسكو. لم يكتفِ بلعب كرة القدم؛ بل لعب أيضًا كحارس مرمى لفريق هوكي الجليد التابع لدينامو، وفاز بكأس الاتحاد السوفيتي في عام 1953. أظهرت هذه التجربة تنوعه كرياضي شامل، حيث كان يشارك في العديد من الألعاب الرياضية الأخرى. "كنت أركض، وأقوم بالقفز العالي، ورمي الجلة، ورمي القرص، وأخذت دروسًا في المبارزة، وجربت الملاكمة، والغوص، والمصارعة، والتزلج، وجربت كرة السلة، ولعبت هوكي الجليد، وكرة الماء، وكرة القدم. قضيت فصول الشتاء على الزلاجات الثلجية وعادية. لست متأكدًا مما كنت أجيده أكثر"، هكذا استعاد ياشين ذكرياته.

بعد أن قضى وقته في بناء مسيرته الكروية، تمكن ياشين أخيرًا من إزاحة خوميتش من التشكيلة الأساسية لدينامو عندما تعرض الأخير للإصابة في عام 1953. ومنذ ذلك الحين، أصبح ياشين هو الحارس الأساسي، ليبدأ حقبة ذهبية لدينامو موسكو، والتي أسفرت في نهاية المطاف عن خمسة ألقاب في الدوري السوفيتي، أربعة منها جاءت بين عامي 1954 و1963. لم تكن إنجازاته محلية فقط؛ فقد كان جزءًا لا يتجزأ من المنتخب السوفيتي، حيث شارك في أربع بطولات كأس عالم، وقاد بلاده للفوز ببطولة أمم أوروبا عام 1960، وكان حارس المرمى الأساسي في أول بطولة قارية على الإطلاق. كما شارك في دورة الألعاب الأولمبية عام 1956، حيث فاز المنتخب السوفيتي بالميدالية الذهبية.

لم تكن مسيرة ياشين خالية من التحديات أو الغرائب. اشتهر بتناوله كأساً من الفودكا قبل المباريات، وهو ما وصفه بأنه يساعده على "تهدئة عضلاته". ربما كانت هذه العادة، جنبًا إلى جنب مع أسلوبه الفريد في اللعب، جزءًا من الأسطورة التي أحاطت به. لكن خلف هذه الغرابة، كان يكمن رياضي ملتزم، ولاعب أتقن فن حراسة المرمى، وساهم في رفع مستوى اللعبة بشكل كبير. لقد جسد ياشين روح المنافسة والتفاني، وأثبت أن الإرادة الصلبة يمكن أن تتغلب على أصعب الظروف.

إن إرث ليف ياشين يتجاوز مجرد الأرقام والإحصائيات. إنه يمثل قصة عن الصمود، والتغلب على الشدائد، والسعي الدؤوب نحو التميز. من عامل مصنع شاب يعاني من الإرهاق، إلى حارس مرمى أسطوري يُكرم اسمه بجائزة عالمية، يظل ليف ياشين مصدر إلهام للأجيال القادمة من الرياضيين، وتذكيرًا بأن العظماء يمكن أن ينشأوا من أكثر الخلفيات تواضعًا، ليتركوا بصمة خالدة في سجلات التاريخ.

الكلمات الدلالية: # ليف ياشين # العنكبوت الأسود # كرة القدم السوفيتية # حارس مرمى # تاريخ كرة القدم # دينامو موسكو # كأس أمم أوروبا 1960 # رياضة # أساطير كرة القدم