إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

تصاعد الجدل حول استقلالية أوروبا الدفاعية وعلاقتها بالولايات المتحدة في ميونيخ

تصاعد الجدل حول استقلالية أوروبا الدفاعية وعلاقتها بالولايات المتحدة في ميونيخ
Saudi 365
منذ 6 ساعة
2

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

قمة ميونيخ ترسم ملامح مستقبل الأمن الأوروبي بين الاستقلالية والشراكة الأطلسية

شهد مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي يُعدّ أحد أبرز المحافل الدولية لمناقشة التحديات الأمنية العالمية، تبايناً واضحاً في الرؤى الأوروبية حول مستقبل القارة الدفاعي وعلاقتها بالولايات المتحدة. ففي الوقت الذي دعا فيه قادة كبار إلى تعزيز الاستقلالية الأوروبية والحد من الاعتماد على واشنطن، أكد آخرون على أهمية ترميم الشراكة عبر الأطلسي للحفاظ على الاستقرار العالمي.

يُعتزم رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، حضّ أوروبا على التقليل من اعتمادها الدفاعي على الولايات المتحدة، وفقاً لمقتطفات من كلمته التي أعلنها مكتبه. وقد شدد ستارمر على رؤيته لأمن أوروبي يتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية، مؤكداً أن ذلك لا يعني انسحاباً أميركياً، بل هو استجابة لدعوة متزايدة لتقاسم الأعباء وإعادة صياغة الروابط الدفاعية بما يخدم المصالح الأوروبية المشتركة.

من جانبه، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تصريحات جريئة، داعياً العالم إلى «أخذ العبرة من أوروبا، بدلاً من انتقادها»، وذلك في ظل سعي القارة لإعادة بناء علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة. وأكد ماكرون من ميونيخ أن على الجميع أن «يقتدي بنا»، في إشارة واضحة إلى الانتقادات التي وجهها نائب الرئيس الأميركي السابق، جيه دي فانس، للسياسات الأوروبية في مجالي الهجرة وحرية التعبير خلال الدورة الماضية للمؤتمر. كما شدد الرئيس الفرنسي على ضرورة أن تحدد أوروبا «قواعدها للتعايش» مع روسيا، في حال التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع في أوكرانيا، بهدف «الحد من خطر التصعيد». ودعا الأوروبيين إلى تطوير ترسانتهم الدفاعية، خاصة أنظمة «الضربات الدقيقة» بعيدة المدى، لضمان التفاوض من «موقع قوة» في المستقبل.

وفي تناقض لافت مع الخطاب الفرنسي المطالب بالاستقلالية المطلقة، اختار المستشار الألماني فريدريش ميرتس نبرة تصالحية في خطابه أمام المؤتمر، الذي تحول هذا العام إلى منصة لإبراز الخلافات الأميركية-الأوروبية المتزايدة. دعا ميرتس إلى «شراكة جديدة» بين الولايات المتحدة وأوروبا وترميم الثقة بين الطرفين، رغم اعترافه بوجود خلافات وتغير «العالم كما نعرفه». وقد جاءت كلمته على النقيض من هجوم نائب الرئيس الأميركي السابق جيه دي فانس العام الماضي، والذي شكل صدمة للأوروبيين ومقدمة لعام من التوترات غير المسبوقة.

رغم غياب فانس هذا العام، وترؤس وزير الخارجية ماركو روبيو الوفد الأميركي، فإن التوتر ظل قائماً. فقبل وصوله إلى ميونيخ، حذر روبيو الأوروبيين من «عصر جديد» يتطلب منهم إعادة فحص دورهم. وفي ميونيخ، اعترف ميرتس بأن «النظام العالمي كما نعرفه انتهى»، لكنه شدد على ضرورة الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة وإنقاذها. وانتقد ميرتس بشكل غير مباشر الدعوات الفرنسية لاستقلال أوروبا الأمني الكامل عن واشنطن، واصفاً إياها بـ«غير الواقعية» التي «تتجاهل الحقائق الجيوسياسية الصعبة في أوروبا وتقلل من شأن الإمكانات في مستقبل علاقتنا مع الولايات المتحدة».

ولم يتردد المستشار الألماني في توجيه انتقادات لعقيدة الإدارة الأميركية «ماغا»، مؤكداً أن «معركة ثقافة (ماغا) في الولايات المتحدة، ولا تنتمي لأوروبا». كما شدد على أن أوروبا لا تؤمن بالتعريفات الجمركية، بل بالتجارة الحرة. وفي لفتة رمزية، تحول ميرتس فجأة إلى اللغة الإنجليزية مخاطباً الأميركيين، قائلاً إن «الثقة بين الحلفاء والشركاء والأصدقاء جعلت من حلف الناتو أقوى تحالف، وأوروبا تعرف قيمة ذلك»، ودعا إلى إصلاح العلاقات عبر الأطلسي مؤكداً أن حلف الناتو يخدم مصلحة الطرفين.

وفي سياق متصل بتحديات الأمن الأوروبي، شهدت باريس حادثة أمنية لافتة في اليوم ذاته، حيث حاول رجل يحمل سكيناً مهاجمة فرد أمن بالقرب من قوس النصر. وقد اضطر شرطي آخر لإطلاق النار للسيطرة على المهاجم الذي نقل إلى المستشفى في حالة حرجة، بينما لم يصب أي شخص آخر بأذى. وقد فتح مكتب المدعي العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب تحقيقاً في الحادث، مما يشير إلى خطورته المحتملة.

عودة إلى ميونيخ، كان التوتر شديد الوضوح أيضاً بين وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز. فقد وصل والتز حاملاً قبعة تحمل شعار «اجعل الأمم المتحدة عظيمة مجدداً»، مشيراً إلى عقيدة «ماغا»، وتحدث عن مساعي الرئيس الأميركي لإصلاح الأمم المتحدة. وأكد والتز التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا، لكنه أضاف أن الأميركيين موّلوا النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، وأن تزايد الديون الأميركية يعني أنه من العدل أن يُطلب من 450 مليون أوروبي، باقتصاد شبيه بحجم الاقتصاد الأميركي، أن يكونوا أكثر مسؤولية عن دفاعهم. وقد اعترضت كالاس على كلام والتز، مؤكدة أن أوروبا تقدم مساهمات مالية كبيرة، ومشددة على أن النظام العالمي يجب أن يُبنى على العدالة بين الدول، ومقارنة بين طبيعة حلفاء روسيا والولايات المتحدة في الحروب.

تُظهر هذه التطورات أن أوروبا تقف على مفترق طرق حاسم، تسعى فيه لتعزيز قدراتها الدفاعية وتحديد هويتها الأمنية في عالم متغير، مع محاولة الموازنة بين الحاجة إلى استقلال أكبر والحفاظ على الشراكات الاستراتيجية الضرورية.

الكلمات الدلالية: # الأمن الأوروبي، مؤتمر ميونيخ، العلاقات عبر الأطلسي، الدفاع الأوروبي، استقلالية أوروبا، كير ستارمر، إيمانويل ماكرون، فريدريش ميرتس، حلف الناتو، ماغا