Ekhbary
Monday, 16 February 2026
Breaking

ما وراء الدرجات: تربية أطفال ناجحين عاطفياً وفخورين بذواتهم

ما وراء الدرجات: تربية أطفال ناجحين عاطفياً وفخورين بذواتهم
Saudi 365
منذ 2 يوم
20

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

إعادة تعريف النجاح: بناء شخصية قوية بدلاً من السعي وراء التفوق الظاهري

عندما نتحدث عن الأطفال الناجحين، غالباً ما تتبادر إلى الأذهان صورة الطالب المتفوق دراسياً، أو الرياضي الذي يحصد الألقاب، أو الحاصل على مقعد في أرقى الجامعات. لكن سنوات من البحث والدراسة، شملت أكثر من 200 علاقة بين الآباء والأبناء، كشفت عن رؤية أعمق وأشمل للنجاح. فالنجاح الحقيقي، وفقاً لما أوردته شبكة «سي إن بي سي»، لا يكمن فقط في الإنجازات الخارجية، بل في تنشئة أطفال يتمتعون بثقة عالية بالنفس، واستقرار عاطفي، وقدرة على التواصل العميق مع ذواتهم والعالم المحيط بهم.

الآباء الذين أدركوا هذه الحقيقة تبنوا، في كثير من الأحيان، استراتيجيات تربوية غير تقليدية. فقد أعطوا الأولوية لغرس الفضول وحب التعلم والذكاء العاطفي لدى أبنائهم، متجاوزين الانشغال المفرط بالتوقعات المجتمعية التي غالباً ما تركز على المظاهر. هذه المقاربة التربوية تهدف إلى بناء جيل قادر على مواجهة تحديات الحياة بمرونة وحكمة.

تسع طرق غيرت مسار التربية: مفاتيح النجاح العاطفي والفكري

وفقاً لريم روضة، مدرّبة التربية وأم ومبتكرة مجلة «باوند» المتخصصة في تعزيز التواصل بين الوالدين والطفل وتنمية الذكاء العاطفي وتقدير الذات، فإن الآباء الذين نجحوا في غرس أسس النجاح الحقيقي في أبنائهم اتبعوا تسعة مبادئ أساسية منذ البداية:

  1. القدوة الحسنة في إدارة الذات: بدلاً من التركيز على كيفية تعامل الأطفال مع الصعوبات، أدرك هؤلاء الآباء أن سلوكهم الشخصي هو المؤثر الأكبر في بناء مرونة أبنائهم. لذا، حرصوا على أن يكونوا قدوة في القوة الذهنية والعاطفية، يديرون ضغوطهم وانفعالاتهم أمام أطفالهم بطريقة صحية وواعية.
  2. تشجيع التأمل الذاتي بدلاً من «أحسنت!»: عوضاً عن الاكتفاء بعبارة «أحسنت!»، التي قد تعزز الاعتماد على التقدير الخارجي، شجع الآباء أبناءهم على التفكير في جهودهم ومشاعرهم. عبارات مثل: «يجب أن تفخر بنفسك» أو «كيف تشعر تجاه ما أنجزته بعد كل هذا الجهد؟» ساهمت في تنمية الدافع الداخلي والفخر بالإنجاز من منطلق شخصي.
  3. تنمية الدافع الداخلي: يدرك هؤلاء الآباء أن تكرار عبارات المدح قد يجعل الطفل معتمداً على الثناء الخارجي. لذلك، ركزوا على مساعدة أبنائهم على الاعتزاز بإنجازاتهم انطلاقاً من شعورهم الشخصي بالفخر، مما يغرس لديهم دافعاً داخلياً قوياً للاستمرار والتطور.
  4. قضاء وقت نوعي وبناء علاقات قوية: من خلال تخصيص وقت نوعي للأبناء، وممارسة الاستماع الفعّال، ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية، شعر الأطفال بالتقدير والأمان والتفهم. هذا الاتصال العميق عزز ثقتهم بأنفسهم ومنحهم الجرأة لخوض التجارب وتحقيق النجاح.
  5. الابتعاد عن العقاب التقليدي واعتماد العواقب الطبيعية: تجنب هؤلاء الآباء أسلوب العقاب الذي قد يولد الاستياء والانفصال العاطفي، مفضلين السماح للعواقب الطبيعية بأن تؤدي دورها التربوي. فإذا نسي الطفل واجبه، كان عليه أن يشرح الأمر للمعلم، مما يعلمه المسؤولية وحل المشكلات ويبني حس المساءلة لديه.
  6. غرس حب التعلم بدلاً من المكافآت المادية: بدلاً من ربط الدرجات الجيدة بالمكافآت، ركزوا على إشعال شغف أبنائهم بالتعلم. بغض النظر عن مستوى التحصيل، كان التركيز على نمو الطفل وتطوره، مع التأكيد على أن درجاته لا تحدد قيمته الشخصية.
  7. تحفيز الفضول والتفكير النقدي: شجعوا أبناءهم على طرح أسئلة «لماذا» و«كيف»، بدلاً من الاكتفاء بالبحث عن إجابات جاهزة. هذا النهج عزز فضولهم، ومنحهم الثقة في التفكير النقدي وتحدي الأفكار السائدة، وهي صفات أساسية للقادة المستقبليين.
  8. تمكين الأطفال وتفويض المهام: سواء كان الأمر يتعلق بحل مسألة رياضية أو شرح لعبة مفضلة، فإن إعطاء الأطفال الفرصة لتولي زمام المبادرة منحهم شعوراً بالأهمية والكفاءة. هذا التراجع المدروس من قبل الآباء أظهر احتراماً لقدرات الأبناء وعزز ثقتهم بأنفسهم.
  9. جعل القراءة جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية: لم تُقدَّم القراءة كواجب ثقيل، بل كنشاط مألوف ومحبب، سواء عبر قراءة القصص قبل النوم أو الاستمتاع بالروايات في أوقات الهدوء. هذا غرس حب التعلم والإبداع مدى الحياة.

الذكاء العاطفي: أساس المرونة النفسية

كان التعامل مع المشاعر، سواء كانت فرحاً أو حزناً، بمنزلة تجارب قيمة وليست أموراً تحتاج إلى قمع أو تجنب. عندما كان الطفل يشعر بالحزن، على سبيل المثال، بعد خسارة لعبة، كان أحد الوالدين يعبر عن تفهمه وتعاطفه قائلاً: «أرى كم هذا مهم بالنسبة لك. من الصعب أن تخسر شيئاً عزيزاً». هذا النوع من الدعم البسيط ساعد الطفل على فهم مشاعره والتعامل معها، وبناء قدرته على الصمود النفسي على المدى الطويل.

تجارب عالمية: هولندا ونظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع

في سياق متصل بالتوازن بين الحياة الشخصية والمهنية، تبرز تجربة هولندا كنموذج مثير للاهتمام. تبنى الهولنديون، بهدوء ومن دون ضجيج، نظام العمل لأربعة أيام فقط في الأسبوع، وهو ما يثير تساؤلات حول أثره على الإنتاجية والاقتصاد. يقول غافين آرم، الشريك المؤسس لشركة Positivity Branding: «أطفالك يكونون صغاراً مرة واحدة فقط». ويضيف: «معظم الناس يكرسون أنفسهم للعمل من أجل أبنائهم، لكن عندما يكبر هؤلاء الأطفال، يندمون على تفويت جزء من حياتهم».

قبل سبع سنوات، قرر آرم وزميله بيرت دي ويت، تحويل نظام العمل في شركتهما إلى أربعة أيام أسبوعياً، دون تخفيض الرواتب أو زيادة ساعات العمل اليومية، ليصبح إجمالي ساعات العمل 32 ساعة أسبوعياً. يؤكد دي ويت أن الفكرة تقوم على «العمل بذكاء، لا بجهد أكبر»، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر هو تغيير ثقافة العمل. أصبح هذا النظام شائعاً في هولندا، ويضغط أكبر اتحاد نقابات عمالية فيها لاعتماده رسمياً، مع تمتع الموظفين بحق قانوني في طلب تخفيض ساعات عملهم.

تؤكد ماريكي بيبرز، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة Nmbrs، أن الشركة شهدت انخفاضاً في معدلات مرض الموظفين وزيادة في نسبة الاحتفاظ بهم بعد تطبيق النظام. وعلى الرغم من التحديات الأولية في إقناع المستثمرين والموظفين، إلا أن تحديد الأولويات وتقليل الاجتماعات ساهم في نجاح التجربة. يبلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية في هولندا 32.1 ساعة، وهو الأدنى في الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، تحتل هولندا مكانة متقدمة في الناتج المحلي الإجمالي، مما يتحدى الافتراض بأن ساعات العمل الطويلة ضرورية للقدرة التنافسية.

تُعدّ هولندا الدولة ذات أعلى نسبة من العاملين بدوام جزئي بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث يفضل الكثيرون الوقت على زيادة الدخل بسبب الأجور المرتفعة وهيكل الضرائب. وتجادل النقابات بأن تقليص يوم عمل أسبوعياً يمكن أن يعزز التوازن بين العمل والحياة، ويحسّن الرفاهية العامة، ويساهم في الاستدامة الاقتصادية والبيئية.

الكلمات الدلالية: # التربية، النجاح، الأطفال، الذكاء العاطفي، المرونة النفسية، حب التعلم، الفضول، هولندا، العمل لأربعة أيام، التوازن بين العمل والحياة