إخباري
الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٨ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

فوز اليمين الياباني: بين استجابات الاقتصاد وقلق الأمن القومي

فوز اليمين الياباني: بين استجابات الاقتصاد وقلق الأمن القومي
Saudi 365
منذ 14 ساعة
6

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

انتصار انتخابي ذو أبعاد متعددة

لم يكن الناخب الياباني ليمنح تفويضاً انتخابياً شاملاً بهذا الشكل لقضيّة «الأمن القومي» وحدها، بل إنّ الاقتصاد، بتفاصيله اليومية التي تمسّ حياة المواطن مباشرة، لعب دوراً محورياً. فالتضخم المتزايد في أسعار الغذاء والطاقة، والشعور السائد بأنّ الأجور الحقيقية لا تواكب موجة ارتفاع الأسعار، جعل وعود تخفيف العبء الضريبي على السلع الأساسية تبدو أكثر جاذبية من نقاشات الإصلاح الهيكلي المعقدة والطويلة الأمد. هذه المعضلة الاقتصادية وضعت اليابان أمام مفارقة؛ فالاستجابة لهذه الضغوط عبر حزم إنفاق أو تخفيضات ضريبية تضعها مباشرة في مواجهة نقطة ضعفها الكبرى: سوق السندات العامة، ومدى ثقة المستثمرين في قدرة الدولة على الموازنة بين التحفيز المالي والانضباط المالي.

فضلاً عن ذلك، فإنّ الانتصار الانتخابي لم يُعد تفويضاً شخصياً لرئيسة الحكومة فحسب، بل كان تفويضاً حزبياً بامتياز. فقد أشارت تقارير عديدة إلى أنّ الشعبية التي تتمتع بها تاكاييتشي، وقدرتها على تحويل المنافسة الانتخابية إلى خيار واضح بين «حكومة قوية» ومعارضة مشتتة، لعبت دوراً بارزاً في هذا الزخم. هذا النمط، الذي يميل فيه التصويت إلى دعم الحزب أكثر من القائد، يُعد ظاهرة غير مألوفة في السياسة اليابانية التقليدية.

تغيير موازين القوى وتطلعات دستورية

كما أن حجم هذا الانتصار الانتخابي يعكس تغييراً في ميزان القوى داخل المعسكر الحاكم. فمع قدرة الحزب على تمرير التشريعات بسهولة في مجلس النواب، تقلّصت قدرة الحلفاء والخصوم داخل الائتلاف على ممارسة ضغوط «ابتزازية» عبر التهديد بإسقاط مشاريع القوانين. والأهم من ذلك، غالباً ما يُستخدم التفويض الانتخابي لتصفية الحسابات الداخلية للحزب، بما في ذلك ترسيخ التيار اليميني، وإعادة ترتيب الأولويات بين مفهومي «النمو والإنفاق» و«الانضباط المالي»، وبين استراتيجيات «الردع» و«التهدئة».

في سياق متصل، يعيد انتصار تاكاييتشي طرح سؤال كان مؤجلاً حول مدى قدرة الحكومة على تغيير قواعد اللعبة الدستورية. ورغم أن السيطرة على مجلس النواب تمنح رئيسة الحكومة صلاحيات واسعة، إلا أن تعديل الدستور الياباني يتطلب أغلبية الثلثين في المجلس الأعلى، يتبعها استفتاء شعبي. وبالتالي، فإن «القوة البرلمانية» تُعد شرطاً ضرورياً، ولكنها غير كافية. هذا الوضع سيدفع تاكاييتشي على الأرجح إلى اعتماد استراتيجية «التدرّج»، تبدأ بتعديلات أقل إثارة للخلاف، مثل إدارة الكوارث، أو صلاحيات الطوارئ، أو الاعتراف الرمزي بقوات الدفاع الذاتي، قبل الاقتراب من المادة التاسعة من الدستور.

معضلة التمويل والأسواق كـ«فيتو»

تكمن المعضلة الأساسية في مرحلة ما بعد الفوز الانتخابي في كيفية تحقيق التوازن. فبينما جددت رئيسة الحكومة تعهدها بتخفيض أو تعليق الضريبة على الغذاء، سعت في الوقت نفسه إلى طمأنة المستثمرين بعدم فتح الباب أمام ديون جديدة بلا سقف. هذا يعني أن معركة التمويل، من حيث المصادر والآليات وتأثيرها على العجز، ستتحول إلى ساحة صراع سياسي واقتصادي يومي. ومع تضاؤل نفوذ المعارضة البرلمانية، قد يأتي «الفيتو» الحقيقي من الأسواق المالية، لا من البرلمان. فارتفاع عوائد السندات وتقلبات الين يمكن أن يكبحا أي اندفاعة مالية إذا اعتُبرت خروجاً عن المسار المالي السليم.

ولأن الاقتصاد الياباني غير معزول، فإن ردود الفعل لا تقتصر على طوكيو. فتوقعات زيادة التحفيز المالي انعكست في تحركات سريعة لأسواق العملة، حيث شهد الين تقلبات ملحوظة في الأيام التالية للانتخابات، وهو ما ربطه المحللون بتوقعات الإنفاق العام وبحساسية العوائد اليابانية.

الين.. مؤشر مالي وسياسة خارجية

هذه التقلبات في سعر الين تحمل أهمية خاصة، فهي تفتح ملفاً حساساً في العلاقة مع واشنطن. فأي ضعف كبير ومستدام في قيمة الين قد يُفسّر أميركياً، في ظل تصاعد النزعة الحمائية، كمنح اليابان أفضلية تنافسية في صادراتها، حتى لو كان هذا الضعف ناتجاً عن عوامل داخلية أو خاصة بالأسواق. في هذا السياق، يتجاوز سعر صرف الين كونه مجرد مؤشر مالي ليصبح «سياسة» بحد ذاته. فتذبذبه لا يؤثر فقط على المستثمرين، بل يضع الحكومة الجديدة أمام معادلة معقدة؛ فأي سياسة مالية توسعية قد تُقرأ بسرعة في سوق السندات وتنحكس سلباً على الين. بدوره، يؤثر انخفاض الين على الداخل عبر زيادة كلفة الواردات، خاصة الطاقة والغذاء، مما يعود ليؤثر سياسياً عبر شعور الناخبين بتآكل القوة الشرائية.

الأكثر حساسية هو أن الين ليس ملفاً داخلياً صرفاً. فالولايات المتحدة تنظر تاريخياً إلى تحركات عملات شركائها التجاريين الرئيسيين من زاوية التنافس التجاري، مما يضيف طبقة من الضغط الخارجي على السياسة المالية والنقدية لطوكيو. وبذلك، فإن مساحة مناورة الحكومة الجديدة لا تُحدَّد فقط بأعداد المقاعد البرلمانية، بل أيضاً بمدى تحمل الأسواق، ومدى استعداد واشنطن لتقبّل ضعف الين في وقت يتصاعد فيه التنافس التجاري.

تحول استراتيجي نحو «الدولة الأمنية – الاقتصادية»

لا تكتمل قراءة فوز اليمين المتشدد دون وضعه في سياق تحوّل استراتيجي أوسع، في لحظة تشعر فيها اليابان بتدهور بيئتها الاستراتيجية، بالإضافة إلى تغير في توقعات الحليف الأميركي بشأن «تقاسم الأعباء». من هنا، تتحرك اليابان من نموذج «الدولة الاقتصادية الحذرة» إلى نموذج «الدولة الأمنية – الاقتصادية»، حيث يصبح الأمن القومي جزءاً لا يتجزأ من السياسة الصناعية والمالية، وليس مجرد ملف دفاعي.

هذا التحول ليس جديداً بالكامل، لكنه يتسارع مع التفويض الانتخابي. فالنقاش لم يعد مقتصراً على تعزيز الدفاعات أو شراء منظومات جديدة، بل امتد ليشمل بناء قدرة ردع أوسع، وتوسيع أدوات «الأمن الاقتصادي» في سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والطاقة. من هذه الزاوية، يبدو الانتصار الانتخابي بمثابة تصويت لنسخة أكثر وضوحاً من «اليابان الاستراتيجية»: زيادة الإنفاق الدفاعي، وتخفيف بعض القيود على التعاون الصناعي الدفاعي، وتعزيز شبكة الشراكات في المحيطين الهندي والهادئ. وتشير مصادر متعددة إلى أن هذا الفوز الكبير يُضعف المقاومة الداخلية لأي برنامج أمني أكثر تشدداً، ويسهّل تمرير خطوات كانت سابقاً تُدار بتوازنات دقيقة خشية ردود الفعل الشعبية أو الحزبية. هذه التحولات تُقرأ إقليمياً بطريقتين: حلفاء طوكيو يرونها «تكيّفاً دفاعياً»، بينما يصفها خصومها بـ«عودة إلى العسكرة».

الصين وروسيا: بين التردد والاحتكاك

في قلب هذا التحول، تقف الصين. فالمسافة السياسية بين طوكيو وبكين اتسعت بالفعل بسبب الاحتكاكات البحرية، وملف تايوان، واتجاهات «فك الارتباط الجزئي» في التكنولوجيا. ومع قيادة يابانية توصف بـ«الصقورية» المتزايدة، فإن العلاقة مرشحة لمزيد من الاحتكاك: ضغط أكبر على الصين في ملف الأمن الإقليمي، مقابل سعي ياباني لتقليل قابلية الاقتصاد للابتزاز في المواد الاستراتيجية وسلاسل التوريد.

لكن هذا لا يعني قطيعة سهلة أو قريبة، فالصين لا تزال شريكاً تجارياً مؤثراً، وأي تصعيد غير مُدار قد يرتد سلباً على الشركات اليابانية التي تعتمد على السوق الصينية أو على حلقات الإنتاج المرتبطة بها. كما أن أدوات بكين ليست رمزية فقط؛ فهناك القيود على مواد استراتيجية (كالعناصر النادرة أو مواد التصنيع) التي قد تتحول إلى «سلاح سلاسل الإمداد». لذا، يُرجّح أن تسير طوكيو في معادلة مزدوجة: ردع أمني وتحصين اقتصادي، مع تجنب صدام اقتصادي شامل قدر الإمكان.

أما روسيا، فتدخل في المعادلة من بوابة التداخل بين الحرب في أوروبا واصطفافات آسيا. وتقارب موسكو مع بكين يجعل طوكيو ترى جبهتها الشمالية الشرقية كجزء من صورة ردع أوسع، لا كمجرد ملف ثنائي. وفي الوقت نفسه، فإن أي تحرك ياباني نحو تعديل دستوري أو توسيع صلاحيات الطوارئ أو إعادة تعريف دور القوات سيمنح موسكو وبكين مادة سياسية للحديث عن «عودة العسكرية»، حيث سيُربط غالباً بين إعادة تسلح اليابان وسردية «مراجعة التاريخ». كما ستُستخدم ملفات مثل تايوان لتصوير طوكيو كطرف يساهم في التصعيد، في خطاب يهدف إلى تأليب الرأي العام الإقليمي وتبرير سياسات مضادة.

في المقابل، ترى طوكيو في روسيا جزءاً من «حزام التهديد» في الشمال والغرب، لا سيما مع تداخل الملفات الروسية-الصينية في شرق آسيا. وهنا، يصبح التفويض الانتخابي وقوداً لرفع مستوى الجاهزية. لكن السؤال الأعمق آسيوياً ليس ما إذا كانت اليابان ستزداد تسلحاً، بل ما طبيعة الدور الذي تريد أن تلعبه لنفسها؟

ردود الفعل الإقليمية والدولية

من منظور دول جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية، المشهد مركّب. فبينما يرى البعض في «يابان أقوى دفاعياً» شريكاً يوازن الصين ويساهم في أمن البحار وسلاسل الإمداد، يخشى آخرون من انزلاق المنطقة إلى سباق تسلح تُستخدم فيه «الذاكرة التاريخية» كسلاح سياسي. هذه الحساسية ليست تفصيلاً، فقدرة طوكيو على توسيع دورها الأمني إقليمياً تعتمد أيضاً على خطابها، وعلى إدارة ملفات التاريخ والرموز، وعلى تقديم نفسها «مدافعاً عن الوضع القائم» لا كقوة تسعى لتغييره بالقوة.

أما عالمياً، فتتقاطع دلالات هذا الفوز مع سؤال أكبر يعيشه النظام الدولي: هل تتجه اقتصادات كبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها بحيث تصبح السياسة الصناعية جزءاً من الردع؟ وبفضل ثقلها التكنولوجي والمالي، يرى البعض أن اليابان مرشحة لتكون نموذجاً لهذا الاتجاه، عبر دعم صناعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات، وربط الاستثمار العام باعتبارات الأمن الاقتصادي، وتوسيع الشراكات مع الحلفاء في المعادن الحرجة والطاقة والتقنيات.

في الختام، فإن الانتصار الكبير لا يعني أن اليابان حسمت اتجاهها نهائياً، ولكنه يعني حصولها على نافذة زمنية نادرة لتغيير قواعد اللعبة. وسيُقاس نجاح هذا التغيير ليس فقط بتمرير القوانين، بل بقدرة طوكيو على إدارة التوازن بين ثلاثة مخاوف متزامنة: خوف الناخب من الغلاء، وخوف السوق من الانفلات المالي، وخوف الإقليم من أن يتحول الردع إلى استفزاز.

الكلمات الدلالية: # اليابان # تاكاييتشي # اقتصاد # أمن قومي # الين # الصين # روسيا # الدستور الياباني # السياسة الخارجية # الأمن الاقتصادي