الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
المستقبل الفضائي: النفايات البشرية قد تكون مفتاح الزراعة على القمر والمريخ
مع تزايد طموحات استكشاف الفضاء، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في توفير الغذاء المستدام للمستوطنين المستقبليين على أجرام سماوية بعيدة كالقمر والمريخ. فالبيئات القاسية وغير المضيافة لهذه العوالم، التي تتميز بتربتها المشعة، وغياب الغلاف الجوي أو وجود غلاف جوي رقيق، تشكل عقبة كبرى أمام أي محاولة للزراعة التقليدية. لمواجهة هذا التحدي، يتجه العلماء نحو حلول مبتكرة وغير تقليدية، أبرزها الاستفادة من النفايات البشرية.
اقرأ أيضاً
→ البيان المشترك بين جمهورية مصر العربية ودولة قطر→ زيلينسكي يصف بوتين بـ "الإرهابي النووي" بعد غارات جوية وصاروخية مميتة→ ارتفاع قياسي في درجات الحرارة بمصر: طقس ربيعي مبكر ورياح مثيرة للأتربة يوم السبت 7 فبراير 2026لطالما ألهمت الأفلام الخيال العلمي، مثل فيلم "المريخي"، فكرة زراعة النباتات في ظروف قاسية باستخدام موارد محدودة. وفي هذا السياق، أظهرت تجارب سابقة أجراها المركز الدولي للبطاطس ووكالة ناسا أن زراعة البطاطس باستخدام مياه الصرف الصحي البشرية أمر ممكن. لكن الأبحاث الحديثة تدفع هذه الفكرة إلى مستوى أعمق، حيث يركز فريق من الباحثين بقيادة هاريسون كوكير من جامعة تكساس إيه آند إم، بالتعاون مع وكالة ناسا، على دراسة كيفية تفاعل المنتجات الثانوية لمعالجة مياه الصرف الصحي مع تربة محاكاة للقمر والمريخ.
تُعرف هذه الأنظمة باسم "الأنظمة الحيوية المتجددة لدعم الحياة" (Bioregenerative Life Support Systems - BLiSS). تعمل هذه الأنظمة، التي تتخذ من مركز كينيدي للفضاء مقرًا لها، على تحويل مياه الصرف الصحي المعالجة إلى محلول غني بالعناصر الغذائية الضرورية لنمو النباتات. هذه الجهود تحمل أهمية بالغة للاستيطان البشري المستقبلي على القمر والمريخ، حيث يمكن للمستوطنين توفير المصدر الأساسي لهذه النفايات بشكل مستمر. ومع اقتراب مهمات "أرتميس" إلى القمر، تكتسب مسألة إنتاج الغذاء أولوية قصوى للمعيشة طويلة الأمد.
يوضح كوكير، المؤلف الرئيسي لدراسة حول هذه الأنظمة، أن "النفايات العضوية ستكون مفتاحًا لتوليد تربة صحية ومنتجة في المستوطنات القمرية والمريخية. من خلال معالجة التربة المحاكاة من القمر والمريخ بتيارات النفايات العضوية، تبين أن العديد من العناصر الغذائية النباتية الأساسية يمكن استخلاصها من معادن السطح".
تحتاج النباتات على الأرض إلى مجموعة معقدة من العناصر الغذائية لتنمو، مثل النيتروجين والبوتاسيوم والفوسفور، بالإضافة إلى الماء. التربة على القمر والمريخ، وهي غنية بمعادن مثل أكسيد الحديد، ثاني أكسيد السيليكون، والمغنيسيوم، ولكنها أيضًا مشعة وتحتوي على مستويات عالية من مركبات البيركلورات السامة، مما يجعلها غير صالحة للزراعة بشكل مباشر. تتطلب عملية "إثراء" هذه التربة المحاكاة كميات كبيرة من العناصر الغذائية.
من المتوقع أن يحتاج السكان الأوائل لهذه العوالم إلى جلب إمداداتهم الغذائية وأنظمة معالجة النفايات الخاصة بهم، ثم العمل على جعل التربة المحلية صالحة للزراعة. هذه العملية ستتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، بالإضافة إلى المشاريع الأخرى مثل الاستكشاف وبناء الموائل. البدائل الأخرى، مثل الزراعة المائية (hydroponics)، تتطلب كميات كبيرة من المياه ومستويات عالية من المغذيات، وقد تكون مكلفة وصعبة التنفيذ في المراحل الأولى.
أظهرت الأبحاث التي أجريت في مركز كينيدي للفضاء، حيث تم إنشاء دفيئة قمرية محاكاة، أن معالجة التربة المحاكاة باستخدام مخرجات أنظمة BLiSS أدت إلى تحسين خصائصها. عند خلط مخرجات BLiSS مع التربة المحاكاة وتعريضها للاهتزاز لمدة 24 ساعة، تبين أنها تمد التربة بكميات كبيرة من العناصر الغذائية الأساسية مثل الكبريت والكالسيوم والمغنيسيوم. كما كشفت الملاحظات المجهرية عن تشكّل فجوات صغيرة في التربة القمرية وتغطية جزيئات التربة المريخية بجسيمات نانوية، مما قلل من حدة المعادن وجعلها أقرب إلى خصائص التربة الأرضية.
ورغم أن النتائج الأولية واعدة، إلا أن الخطوات التالية تتطلب اختبارات على عينات حقيقية من تربة القمر والمريخ، والتي تختلف عن العينات المحاكاة. ومع ذلك، توفر هذه الدراسات رؤى حاسمة لعملية قد تكون ضرورية لاستدامة المستعمرات البشرية في الفضاء. قد لا يمضي وقت طويل قبل أن يتناول سكان القمر السبانخ المزروعة محليًا، ويستمتع مستوطنو المريخ بالذرة والفول والبطاطس، بفضل إعادة تدوير نفاياتهم.