إخباري
الأربعاء ٣ يونيو ٢٠٢٦ | الأربعاء، ١٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
عاجل

الأمراض الوراثية ليست كما كنا نعتقد: تعقيدات الجينات الأحادية تظهر

أبحاث جديدة تكشف أن الطفرات الجينية المفردة ليست دائمًا السب

الأمراض الوراثية ليست كما كنا نعتقد: تعقيدات الجينات الأحادية تظهر
عبد الفتاح يوسف
منذ 3 شهر
121

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

الأمراض الوراثية ليست كما كنا نعتقد: تعقيدات الجينات الأحادية تظهر

لطالما اعتقد العلماء أن الأمراض التي تنجم عن خلل في جين واحد، والتي تُعرف بالأمراض أحادية الجين، هي أمراض مباشرة وراثية، حيث تؤدي طفرة معينة في جين واحد إلى ظهور المرض بنسبة مؤكدة لدى جميع حامله. هذا الاعتقاد، الذي استند إلى عقود من الأبحاث ودراسات الحالات الفردية والعائلية، ربط مئات الطفرات بمجموعة واسعة من الحالات الصحية، بدءًا من أنواع معينة من السرطان مثل سرطان الغدة الدرقية، وصولًا إلى قصور المبيض وأشكال مختلفة من مرض السكري. ومع ذلك، فإن الأبحاث الحديثة، المدعومة بقواعد بيانات جينية ضخمة من السكان الأصحاء، بدأت ترسم صورة مختلفة وأكثر تعقيدًا.

تكشف هذه الدراسات الجديدة عن مفارقة مثيرة للاهتمام: فالعديد من الأفراد الأصحاء تمامًا يتواجدون في المجتمع وهم يحملون الطفرات الجينية التي كان يُعتقد سابقًا أنها تسبب أمراضًا معينة بنسبة 100%. هذا الاكتشاف يتحدى "العقيدة القياسية" في علم الوراثة، كما وصفته الدكتورة كارولين رايت، أستاذة الطب الجينومي في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة. وجدت رايت أن بعض المتغيرات الجينية التي تبدو دائمًا مسببة للمرض في عينات المرضى، لا تظهر إلا لدى أقلية من الأشخاص في عموم السكان. هذا يشير إلى أن افتراض أن سببًا جينيًا واحدًا هو "ضروري وكافٍ" وأن كل العوامل الأخرى غير ذات صلة، قد لا يكون صحيحًا دائمًا.

إن هذا التطور له آثار بعيدة المدى، لا سيما في مجال الاستشارة الوراثية والعلاج. تقليديًا، اعتمد الأطباء والمستشارون الوراثيون على فهم أن طفرة جينية معينة مرتبطة بمرض معين تعني حتمية الإصابة به. هذا الفهم كان ضروريًا لتقييم المخاطر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ عائلي لأمراض وراثية وتوجيههم بشأن خيارات الإنجاب والعلاج. الآن، ومع ظهور هذه التعقيدات، قد يحتاج نهج تقييم المخاطر إلى إعادة نظر شاملة.

لفهم هذا التغيير، من المفيد العودة إلى أسس علم الوراثة. في منتصف القرن التاسع عشر، وضع جريجور مندل القواعد الأساسية للوراثة من خلال تجاربه على نباتات البازلاء. وأوضح أن الأبناء يرثون نسخة من كل جين من كل والد. بعض الجينات تكون "سائدة"، حيث تكفي نسخة واحدة للتعبير عن خصائصها، بينما تكون جينات أخرى "متنحية"، وتتطلب نسختين للتعبير عن خصائصها. ومع ذلك، فإن التفاعل بين الجينات والعوامل البيئية يضيف طبقات من التعقيد تفوق هذه القواعد الأساسية. يتحدد المظهر الخارجي للفرد (النمط الظاهري) نتيجة لتفاعل معقد بين تركيبته الجينية (النمط الجيني) والبيئة المحيطة.

في سياق الأمراض، يُستخدم مصطلح "الاختراق" (penetrance) لوصف احتمالية أن يُظهر الفرد الذي يحمل نمطًا جينيًا معينًا نمطًا ظاهريًا مرتبطًا بالمرض. بالنسبة للأمراض أحادية الجين، كان يُفترض غالبًا أن لديها اختراقًا بنسبة 100%، مما يعني أن كل شخص يحمل الطفرة سيصاب بالمرض. مثال كلاسيكي هو مرض تاي-ساكس، وهو اضطراب عصبي قاتل، حيث يصاب جميع الرضع الذين يرثون نسختين من جين متنحٍ متحور بالمرض. على النقيض من ذلك، تُصنف أمراض مثل داء كرون والفصام على أنها أمراض متعددة الجينات، تنشأ من تفاعل مئات أو آلاف الجينات مع العوامل البيئية، ولا يمكن تحديدها بواسطة جين واحد فقط.

ما سهّل هذا الفهم الجديد هو التقدم الهائل في تقنيات تسلسل الجينوم، الذي أصبح أرخص وأسرع. هذا سمح للباحثين بالوصول إلى قواعد بيانات جينية واسعة تضم معلومات عن أعداد كبيرة من الأفراد من عموم السكان، وليس فقط المرضى وعائلاتهم. كانت الدراسات السابقة، التي أجريت عندما كان تسلسل الجينوم مكلفًا، تعاني مما يُعرف بـ"تحيز الاختيار" (ascertainment bias)، حيث يركز الباحثون فقط على الأفراد المصابين، مما قد يؤدي إلى رؤية ارتباطات جينية لا تعكس الواقع الكامل. على سبيل المثال، في دراسة لحالات التنكس الوراثي الشبكي، التي تسبب فقدان البصر المبكر، وجد الباحثون جينات مرتبطة بالمرض. ومع ذلك، فإن دراسات أحدث شملت قواعد بيانات ضخمة مثل "All of Us" التابعة للمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة و"UK Biobank"، كشفت أن العديد من هذه الجينات المرتبطة سابقًا بالمرض لا تسبب فقدان البصر إلا في أقل من 30% من حالات حامليها.

تشير هذه النتائج إلى أن العوامل الأخرى، سواء كانت جينات أخرى في بقية الجينوم أو عوامل بيئية، تلعب دورًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان الشخص المصاب بطفرة معينة سيصاب بالمرض بالفعل أم لا. يمكن تشبيه الجينات المسببة للمرض بـ"الممثلين الرئيسيين"، بينما باقي الجينوم والعوامل البيئية هم "طاقم الدعم". في المرضى، غالبًا ما يتشارك "الممثلون الرئيسيون" و"طاقم الدعم" مع أفراد عائلاتهم. ولكن عند النظر إلى عموم السكان، يصبح من الواضح أن هذا "الطاقم" المتكامل هو الذي يحدد النتيجة النهائية. هذا الفهم الجديد يدفعنا إلى إعادة تقييم كيفية تعريفنا للأمراض الوراثية وكيفية مقاربتنا للوقاية منها وعلاجها.

الكلمات الدلالية: # الأمراض الوراثية، الجينات الأحادية، الطفرات الجينية، علم الوراثة، الاختراق الجيني، الاستشارة الوراثية، العوامل البيئية، قواعد البيانات الجينية