إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

إعادة بناء منارة الإسكندرية الافتراضية حجراً بحجر

مشروع أثري طموح يعيد الحياة لأحد عجائب الدنيا القديمة من خلا

إعادة بناء منارة الإسكندرية الافتراضية حجراً بحجر
Matrix Bot
منذ 5 يوم
67

مصر - وكالة أنباء إخباري

منارة الإسكندرية: رحلة افتراضية لإعادة إحياء أعجوبة العالم القديم

في أعماق مياه البحر الأبيض المتوسط، ترقد بقايا صرح شاهق كان يوماً ما يمثل قمة الطموح الهندسي والرمز الحضاري للعالم الهلنستي. إنها منارة الإسكندرية، المعروفة باسم "فاروس"، التي صُنفت كواحدة من عجائب الدنيا السبع، والتي تحولت إلى أطلال غارقة بفعل قوى الطبيعة على مر القرون. لكن اليوم، وبفضل التقدم التكنولوجي، بدأت رحلة استثنائية لإعادة بناء هذه الأعجوبة، ليس بالحجارة والأسمنت، بل بالبيكسلات والخوارزميات، في مشروع أثري رقمي يعد بالكشف عن أسرار الماضي.

كانت المنارة، التي يبلغ ارتفاعها حوالي 135 متراً (460 قدماً)، برجاً شاهقاً من الجرانيت والجير، أقيمت لتكون دليلاً آمناً للسفن التجارية والعسكرية التي ترتاد ميناء الإسكندرية الحيوي. وصفها الأسقف الغالي غريغوري من تور في القرن السادس الميلادي بأنها "العجب السابع للعالم القديم"، وهو وصف يعكس عظمتها وتأثيرها في عصرها. لم تكن المنارة مجرد بناء ضخم، بل كانت شعاعاً من الأمل يضيء ليالي البحارة، ويبدد مخاوفهم من السواحل الوعرة. وكان ارتفاعها لا يضاهيه سوى الهرم الأكبر بالجيزة، الذي لا يزال قائماً كشاهد على عبقرية المصريين القدماء.

على مدى 16 قرناً تقريباً، وقفت منارة الإسكندرية شامخة عند مدخل الميناء الشرقي، كحارس أمين على المدينة، متصدية لعوامل الزمن وتقلبات الطبيعة، ومقاومة عشرات الزلازل. ولكن حتى أعظم الإبداعات البشرية لا يمكنها أن تصمد للأبد أمام القوة الهائلة للزلازل. ففي عام 1303 ميلادي، ضرب زلزال مدمر المنطقة، وتسبب في موجات تسونامي جارفة، تركت المنارة في حالة يرثى لها. ولم يمضِ سوى عشرون عاماً حتى ضرب زلزال آخر، قضى على ما تبقى، وحوّل التماثيل والأحجار الضخمة إلى حطام ابتلعه البحر تدريجياً.

اليوم، تقع معظم بقايا هذا الصرح العظيم تحت الماء، منتشرة على مساحة تقدر بـ 73 ألف متر مربع (18 فداناً). وتصف عالمة الآثار إيزابيل هيري، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومركز الدراسات الإسكندرانية في مصر، صعوبة العمل الميداني: "الرؤية تحت الماء سيئة للغاية، وقاع البحر غير مستوٍ، ولا توجد طبقات واضحة للرواسب". هذه التحديات تجعل عملية البحث والتنقيب عن القطع الأثرية مهمة شاقة ومعقدة للغاية.

وللتغلب على هذه العقبات، تقود الدكتورة هيري منذ أربع سنوات "مشروع فاروس"، وهو مبادرة علمية طموحة تجمع فريقاً من نخبة المؤرخين، وعلماء العملات، والمهندسين المعماريين، ومبرمجي الرسومات الحاسوبية. هدفهم المشترك هو إعادة بناء المنارة القديمة رقمياً، وإنشاء "توأم رقمي" شامل لها. لقد نجح الفريق حتى الآن في تحليل حوالي 5000 قطعة حجرية وأثرية مبعثرة في قاع البحر. ومن خلال عملية "هندسة عكسية" معقدة، يعتمدون على تحليل بقايا الانهيار الذي حدث في القرن الرابع عشر لإعادة بناء الصورة الأصلية للمنارة.

يعتمد هذا الاندماج المدهش بين الماضي والحاضر على تقنية "المسح التصويري" (photogrammetry). هذه التقنية تسمح بدمج آلاف الصور ثنائية الأبعاد لإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة للغاية، مما يشبه تجميع قطع أحجية أثرية عملاقة، قطعة بقطعة افتراضية. إنها عملية تتطلب دقة فائقة وقدرة تحليلية عالية لتحويل البيانات المرئية إلى هيكل رقمي متكامل.

يشير البروفيسور بول كارتليدج، مؤرخ الثقافة اليونانية في جامعة كامبريدج، والذي لا يشارك في المشروع، إلى أهميته العالمية: "هذا المشروع له أهمية واهتمام عالمي دائم، سواء لجوانب علم الآثار تحت الماء، أو لطبيعة الاكتشافات، بما في ذلك الكتل الحجرية التي يصل وزنها إلى 80 طناً". ويضيف مازحاً: "جربوا انتشال هذه الكتل يدوياً. لا ننصح بذلك".

تعود قصة بناء المنارة إلى ولاء جنرال للملك الذي قضى نحبه. بعد وفاة الإسكندر الأكبر، حاكم مقدونيا وإمبراطوريته الواسعة، بشكل مفاجئ عام 323 قبل الميلاد، تولى بطليموس، الذي كان رفيق طفولته، حكم مصر كحاكم. وفي عام 305 قبل الميلاد، أعلن نفسه فرعوناً، وأصبح يُعرف بـ "بطليموس الأول سوتر" (المخلص).

بهدف تحويل مدينة الإسكندرية إلى مركز لعبادة الإسكندر "الإنسان الإله"، كلف بطليموس ببناء صرح ضخم يكون بمثابة منارة. وهكذا، ولدت فكرة بناء واحدة من أعظم الإنشاءات في العالم القديم، وهي منارة ستظل خالدة في الذاكرة البشرية، حتى وإن غمرها البحر، لتُعاد الحياة إليها اليوم عبر العالم الرقمي.

الكلمات الدلالية: # منارة الإسكندرية # فاروس # عجائب الدنيا السبع # آثار # علم آثار تحت الماء # مشروع فاروس # إعادة بناء رقمية # تكنولوجيا ثلاثية الأبعاد # الإسكندر الأكبر # بطليموس الأول