مصر - وكالة أنباء إخباري
هل توجد أبعاد خفية في الكون؟ الجزء الرابع: ما وراء الكون المرئي
في رحلتنا لاستكشاف أسرار الكون، نصل إلى الجزء الرابع من سلسلتنا حول الأبعاد الإضافية الكبيرة. بعد استعراض الأجزاء السابقة، نجد أنفسنا أمام سؤال جوهري: هل يتكون كوننا من أكثر من الأبعاد الأربعة المألوفة لنا (ثلاثة أبعاد مكانية وزمن واحد)؟ يطرح الفيزيائيون فرضيات جريئة حول وجود أبعاد مكانية إضافية، قد تكون مطوية أو كبيرة بشكل غير متوقع. لكن، ما هي الأدلة التجريبية التي تدعم هذه الفرضيات، وما هي القيود التي تفرضها لنا ملاحظاتنا للعالم؟
لقد سعت التجارب العلمية حول العالم، بما في ذلك تلك التي أجريت في مصادمات الجسيمات العملاقة مثل مصادم الهادرونات الكبير (LHC)، إلى البحث عن بصمات لهذه الأبعاد الإضافية. كان الأمل معقودًا على اكتشاف ما يعرف بـ "الزخم المفقود"، وهو مؤشر على أن بعض الطاقة أو الزخم قد تسربت إلى هذه الأبعاد غير المرئية. كما تم البحث عن ظاهرة "أبراج الجرافيتونات"، وهي جسيمات افتراضية قد تتكون عند طاقة عالية جدًا وتنتقل عبر هذه الأبعاد الإضافية. حتى الآن، لم تسفر هذه الجهود عن أي اكتشافات ملموسة. لقد كان البحث عن هذه الإشارات مكثفًا، لكن النتائج كانت سلبية؛ لم يتم رصد أي دليل على تسرب الزخم أو ظهور أبراج الجرافيتونات.
اقرأ أيضاً
- قبل أن تصل إلى موائد الأطفال.. تموين الأقصر يُحبط كارثة غذائية ويضبط 5500 قطعة بسكويت مجهولة المصدر بالبياضية
- كلمة الرئيس ﻋﺒﺪ الفتاح السيسي بمناسبة احتفال مصر بـ”يوم أفريقيا”
- رئيس الوزراء يلتقى أهالي نزلة السمان لمناقشة مخططات تطوير المنطقة
- وزارة التموين : حملات رقابية مكثفة على محلات بيع الدواجن للتأكد من سلامة المعروضات والتصدي للإعلانات المضللة
- حسن رضوان يصنع يوم الوفاء بمدرسة الغوال.. تكريم رواد التعليم وخريجي المدرسة في احتفالية تاريخية بأرمنت
ومع ذلك، في عالم الفيزياء، لا يعني غياب الدليل حتى الآن نفياً قاطعاً للفكرة. ما تعنيه النتائج السلبية الحالية هو أنها تضع حدوداً صارمة على حجم هذه الأبعاد الإضافية. إذا كانت هذه الأبعاد موجودة، فيجب أن تكون صغيرة جداً، لدرجة أن الطاقات التي نصل إليها في مصادماتنا الحالية غير كافية لإحداث الظواهر المتوقعة. هذه النتيجة تدفعنا إلى التساؤل حول حجم هذه الأبعاد؛ فإذا كانت صغيرة جداً، فكيف يمكن أن تلعب دوراً هاماً في حل مشكلات فيزيائية أساسية مثل "مشكلة التسلسل الهرمي" (Hierarchy Problem)؟
لم يثبط هذا الغياب المؤقت للأدلة من عزيمة الفيزيائيين. فقد تم تطوير طرق تجريبية بديلة ومبتكرة، يمكن إجراؤها على نطاق المختبرات الصغيرة. تركز هذه التجارب على قياس قوة الجاذبية بدقة فائقة. وفقاً للنظريات التي تفترض وجود أبعاد إضافية، فإن الجاذبية، على عكس القوى الأساسية الأخرى، قد تكون قادرة على الانتشار والتسرب عبر هذه الأبعاد. لذلك، عند الاقتراب من مصادر هذه الأبعاد أو عند قياس الجاذبية على مسافات صغيرة جداً، قد نتوقع انحرافات عن قانون الجاذبية النيوتوني الكلاسيكي. هذه التجارب، التي يمكن إجراؤها على طاولة المختبر، توفر طريقة حساسة لاختبار هذه الفرضيات.
إلى جانب التجارب المعملية، يلتفت الفيزيائيون أيضاً إلى الظواهر الكونية واسعة النطاق. فبينما تبدو مصادمات الجسيمات باهظة الثمن ومعقدة، فإن الطبيعة نفسها توفر لنا أحداثاً تفوق في طاقتها أي شيء يمكن أن نصنعه. إن الانفجارات الهائلة التي تحدث عند انفجار المستعرات العظمى (Supernovae) هي أحداث كونية ذات طاقة لا تضاهى، حتى بالمقارنة مع مصادم الهادرونات الكبير. يُعتقد أن هذه الانفجارات قد تنتج أعداداً هائلة من الجرافيتونات الثقيلة. إذا كانت هذه الجرافيتونات موجودة، فقد تُحتجز داخل نجوم النيوترون التي تتكون بعد انفجار المستعر الأعظم.
لكن حتى داخل هذه البيئات الكثيفة والمحصورة مثل النجوم النيوترونية، لا يُتوقع أن تبقى هذه الجرافيتونات الأثرية إلى الأبد. فمع تحللها، من المفترض أن تُصدر مصدراً إضافياً للحرارة والإشعاع. هذا الإشعاع، إذا كان له توقيع مميز، يمكن أن يُرصد كعلامة فريدة في الضوء المنبعث من النجوم النيوترونية. إن تحليل هذا الضوء يمكن أن يوفر لنا أدلة غير مباشرة على وجود هذه الجسيمات الافتراضية وعلى بالتالي على الأبعاد الإضافية.
عند تجميع نتائج كل هذه الأساليب التجريبية – من مصادمات الجسيمات، إلى تجارب الجاذبية المعملية، وصولاً إلى مراقبة المستعرات العظمى والنجوم النيوترونية – نحصل على قيود صارمة للغاية على حجم الأبعاد الإضافية الكبيرة. بالنسبة لعدد قليل من الأبعاد الإضافية، يبدو أن حجمها يجب أن يكون في حدود مائة جزء من النانومتر. وإذا زاد عدد هذه الأبعاد، كما في نماذج تتضمن 5 أو 6 أبعاد إضافية، فإنها يجب أن تكون أصغر حجماً. هذه الأبعاد، وإن وجدت، فإنها أصغر بكثير مما افترضته النماذج الأصلية التي أطلقت عليها اسم "الأبعاد الإضافية الكبيرة".
إن هذه النتائج تمثل ضربة قوية للفكرة الأصلية. الهدف الرئيسي من فرضية الأبعاد الإضافية الكبيرة كان معالجة "مشكلة التسلسل الهرمي"، وهي معضلة تفسر لماذا قوة الجاذبية أضعف بكثير من القوى الأساسية الأخرى. كانت الفكرة هي أن الأبعاد الإضافية تسمح لبعض القوى بالانتشار بعيداً، مما يقلل من قوة الجاذبية الظاهرية في كوننا ثلاثي الأبعاد. لتحقيق هذا الهدف، كان يجب أن تكون هذه الأبعاد "كبيرة" بما يكفي لتسمح بهذا "التخفيف" في قوة الجاذبية. لكن النتائج التجريبية الحديثة تشير إلى أنها ليست كبيرة بالقدر المطلوب، مما يعني أن مشكلة التسلسل الهرمي لم تُحل بشكل كامل، وربما تم استبدالها بمشكلات جديدة، مثل تفسير سبب تفاعل الجاذبية وحدها مع هذه الأبعاد الإضافية.
أخبار ذات صلة
- أسعار الفائدة على الرهن العقاري تتجاوز 6% مرة أخرى، مما يثير تساؤلات معقدة للمشترين والبائعين
- ماكولاي كولكين يكشف سر ابتعاده عن الأضواء: البحث عن حياة طبيعية وحفلات الـBar Mitzvah المفقودة
- وزير الإعلام السعودي يطمئن على صحة الإعلامي عبدالعزيز القرني
- وليد توفيق يتطلع لعام 2026 بآمال السلام والازدهار.. ويحتفي بإصداراته الغنائية الجديدة
- رحيل أيقونة الفن الفلسطيني محمد بكري: صانع الوعي برحلة إبداع
تجدر الإشارة إلى أن هذه الحسابات والتجارب تستند إلى نموذج رياضي تم تطويره في عام 1998 من قبل علماء فيزياء بارزين هم: نيما أركاني-حامد، سافاس ديموبولوس، وجيا دافالي. لقد افترض هذا النموذج أن الأبعاد الإضافية كانت "مسطحة" هندسياً. ولكن كيف يمكن لشيء أن يكون مسطحاً وفي نفس الوقت "ملتفاً" على نفسه؟ الإجابة تكمن في مفهوم "الطوبولوجيا" (Topology). فالأسطوانات وأشكال الكعك (الدونات) هي أشكال مسطحة هندسياً (الخطوط المتوازية تبقى متوازية)، لكنها تمتلك طوبولوجيا مختلفة عن السطح المستوي. هذا التمييز بين الهندسة والطوبولوجيا يسمح بوجود أبعاد مسطحة ولكنها مغلقة على نفسها. ومع ذلك، فإن القيود التجريبية التي تم الحصول عليها مؤخراً تجعل حتى هذه التفسيرات الطوبولوجية أقل احتمالاً إذا كانت الأبعاد كبيرة.
في الختام، بينما تظل فكرة الأبعاد الإضافية محفزاً للإبداع النظري والتجريبي في الفيزياء، فإن النتائج الحالية تفرض تحديات كبيرة على النماذج التي تعتمد على "الأبعاد الإضافية الكبيرة". القيود المفروضة على حجم هذه الأبعاد تجعل من الصعب عليها حل المشكلات الفيزيائية الأساسية التي وُجدت لحلها. لكن هذا لا يعني نهاية البحث، بل هو دعوة لتطوير نماذج جديدة أكثر توافقاً مع المشاهدات التجريبية، أو لاستكشاف طرق جديدة للكشف عن هذه الأبعاد الخفية، مهما كان حجمها.