إخباري
السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٢٧ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

قمة ميونيخ للأمن: توتر عبر الأطلسي وطموح أوروبي للاستقلال الاستراتيجي

قمة ميونيخ للأمن: توتر عبر الأطلسي وطموح أوروبي للاستقلال الاستراتيجي
Saudi 365
منذ 17 ساعة
4

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

ميونيخ: ساحة لتصادم الرؤى حول مستقبل الأمن العالمي

تحول مؤتمر ميونيخ للأمن في دورته الأخيرة إلى منبر محتدم للنقاش حول مصير العلاقات عبر الأطلسي ومستقبل الأمن الأوروبي، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة وتوترات متصاعدة. شهد المؤتمر، الذي يُعد أحد أهم الملتقيات الأمنية في العالم، تراشقاً دبلوماسياً بين الشخصيات الأوروبية والأمريكية، ما كشف عن تباين عميق في الرؤى بشأن كيفية مواجهة التحديات الراهنة، بدءاً من الحرب في أوكرانيا وصولاً إلى إعادة تعريف الأدوار والمسؤوليات الدفاعية.

تصدّرت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المشهد، حيث دعا العالم إلى «أخذ العبرة من أوروبا، بدلاً من انتقادها»، مؤكداً أن على القارة أن تكون قدوة للآخرين. جاءت هذه التصريحات في سياق سعي أوروبا لإعادة بناء علاقاتها المتوترة مع الولايات المتحدة، التي شهدت تصعيداً العام الماضي إثر انتقادات لاذعة وجهها نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، جيه دي فانس، للسياسات الأوروبية في مجالات الهجرة وحرية التعبير، ما أثار صدمة لدى الحلفاء.

طموح ماكرون: استقلال استراتيجي أوروبي وقواعد تعايش مع روسيا

لم يكتفِ ماكرون بالدعوة إلى الاقتداء بأوروبا، بل شدد على ضرورة أن «تحدد أوروبا قواعدها للتعايش» مع روسيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في أوكرانيا، بهدف «الحد من خطر التصعيد». ودعا الأوروبيين إلى الشروع في هذا العمل انطلاقاً من مصالحهم وتفكيرهم الخاص، واقترح إطلاق مشاورات مكثفة حول هذا الموضوع الحيوي. رؤيته لم تتوقف عند الدبلوماسية، بل امتدت إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، مشيراً إلى ضرورة «تطوير» الترسانة الدفاعية للقارة بفاعلية، خاصة في ما يتعلق بأنظمة «الضربات الدقيقة» بعيدة المدى، لتمكين أوروبا من التفاوض من «موقع قوة» مع روسيا مستقبلاً.

وتأتي رؤية ماكرون في سياق جهوده المستمرة لتعزيز الاستقلالية الأوروبية، حيث سبق له أن دعا إلى إنشاء سوق أوروبية موحدة للطاقة وشبكة كهرباء متكاملة. كما كشف عن استمرار برنامج الطائرات الحربية المشترك مع ألمانيا وإسبانيا، في خطوة تؤكد التزامه بتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. وعلى الصعيد الاقتصادي، طالب الاتحاد الأوروبي باستحداث وسيلة للاقتراض المشترك، مثل سندات اليورو، لمواجهة هيمنة الدولار، مشيراً إلى أن روسيا أبدت استعدادها لاستئناف الحوار على المستوى الرئاسي مع فرنسا، وهو ما يتماشى مع قناعة ماكرون بضرورة استئناف أوروبا للحوار المباشر مع الرئيس الروسي.

ميرتس ورؤية ألمانيا: شراكة جديدة مع واشنطن وتوحيد الصف الأوروبي

على النقيض من النبرة الفرنسية الطموحة، اتخذ المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً تصالحياً حذراً تجاه الولايات المتحدة، مدّاً يده إلى الإدارة الأمريكية من منبر ميونيخ. اعترف ميرتس بتغير «العالم كما نعرفه» ووجود خلافات بين الطرفين، لكنه دعا إلى «شراكة جديدة» وترميم الثقة عبر الأطلسي. وُصفت كلمته بأنها نقيض لكلمة جيه دي فانس المثيرة للجدل العام الماضي، حيث سعى ميرتس إلى تجاوز التوترات التي طبعت العلاقات الأمريكية-الأوروبية مؤخراً.

ورغم إقراره بأن «النظام العالمي كما نعرفه انتهى»، شدد ميرتس على ضرورة الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة وإنقاذها. وفي انتقاد ضمني للدعوات الفرنسية للاستقلال الأمني الكامل، وصف ميرتس هذه الدعوات بـ«غير الواقعية»، معتبراً أنها تتجاهل الحقائق الجيوسياسية الصعبة في أوروبا وتقلل من شأن الإمكانات المستقبلية للعلاقة مع واشنطن. أكد المستشار الألماني أن الأوروبيين يعززون اعتمادهم على أنفسهم في الدفاع، مشيراً إلى زيادة ألمانيا لإنفاقها الدفاعي وسعيها لجعل جيشها «الأقوى في أوروبا بأقرب وقت ممكن»، وكشف عن مفاوضات مع فرنسا لمشاركة مظلتها النووية. ودعا ميرتس الأوروبيين إلى توحيد الصف، مؤكداً أن نجاحهم لا يتحقق إلا بوحدتهم، كما وجه انتقادات لاذعة لعقيدة «ماغا» الأمريكية، مؤكداً أن «معركة ثقافة (ماغا) في الولايات المتحدة، ولا تنتمي لأوروبا» وأن القارة تؤمن بالتجارة الحرة وليس التعريفات الجمركية.

توتّر عبر الأطلسي: مواجهة بين كالاس ووالتز

لم تخلُ جلسات المؤتمر من المواجهات المباشرة، فبينما كان ميرتس يسعى لتخفيف التوتر مع الأميركيين، بدا التوتر شديد الوضوح بين وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كايا كالاس والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. وصل والتز إلى المؤتمر بقبعة تحمل شعار «اجعل الأمم المتحدة عظيمة مجدداً»، في إشارة إلى عقيدة «ماغا»، وتحدث عن مساعي ترمب لإصلاح الأمم المتحدة، ملمحاً إلى أنه سيفعل للمنظمة الدولية «ما فعله بالناتو».

ردت كالاس على والتز بانتقاد مساعي الإدارة الأمريكية لإصلاح الأمم المتحدة، مؤكدة أن النظام العالمي يجب أن يكون مبنياً على العدالة بين الدول. ورداً على سؤال حول التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا، أكد والتز «بكل تأكيد»، لكنه أضاف أن «الأميركيين مولوا بأموال الضرائب النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية»، وأن زيادة الديون تستدعي من 450 مليون أوروبي، يمتلكون اقتصاداً مشابهاً لحجم الاقتصاد الأمريكي، أن يكونوا «أكثر مسؤولية عن دفاعهم». اعترضت كالاس على هذا الطرح، مؤكدة أن أوروبا تقدم مساهمات مالية كبيرة، ومقارنة بين الولايات المتحدة وروسيا بالقول إنه عندما «تذهب روسيا إلى الحرب، تذهب بمفردها لأنه ليس لديهم حلفاء، ولكن عندما تذهب الولايات المتحدة للحرب، كثيرون منا يذهبون معكم، ونخسر شعبنا في الطريق».

بريطانيا تدعو لاستقلالية دفاعية أوروبية

على هامش هذه النقاشات، يعتزم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، حضّ أوروبا على الحد من اعتمادها على الولايات المتحدة على الصعيد الدفاعي، وذلك في كلمة سيلقيها في مؤتمر ميونيخ للأمن. وجاء في مقتطفات من كلمته: «أتحدث عن رؤية للأمن الأوروبي وعن قدر أكبر من الاستقلالية الأوروبية» دون أن يعني ذلك انسحاباً أميركياً «بل تلبية لنداء يدعو إلى تقاسم أكبر للأعباء ويعيد صياغة الروابط»، ما يعكس رؤية بريطانية تسعى لموازنة بين الشراكة الأطلسية وتعزيز القدرات الأوروبية.

أوروبا على مفترق طرق: تحديات الاستقلالية والدفاع المشترك

يختتم مؤتمر ميونيخ أعماله تاركاً وراءه قارة أوروبية على مفترق طرق، تسعى جاهدة لتحديد هويتها الأمنية والدفاعية في عالم يتغير بوتيرة متسارعة. بين الطموح الفرنسي للاستقلال الاستراتيجي الكامل، والواقعية الألمانية التي لا تتخلى عن الشراكة الأمريكية، وتصاعد المطالب الأمريكية بتقاسم الأعباء، تبرز الحاجة الملحة إلى وحدة أوروبية وتنسيق فعال. إن بناء ترسانة دفاعية قوية، وتطوير سوق طاقة موحدة، وتعزيز الاقتراض المشترك، كلها خطوات تصب في صالح تحقيق أمن أوروبي أكثر رسوخاً، لكن التحدي الأكبر يبقى في التوفيق بين هذه الطموحات وبين متطلبات الحفاظ على التحالفات التاريخية في مواجهة التهديدات العالمية المتنامية.

الكلمات الدلالية: # ماكرون، ميرتس، الاتحاد الأوروبي، الناتو، الدفاع الأوروبي، روسيا، أوكرانيا، الاستقلال الاستراتيجي، ميونيخ، الولايات المتحدة، الأمن عبر الأطلسي