إخباري
الثلاثاء ١٠ مارس ٢٠٢٦ | الثلاثاء، ٢١ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

عباس فارس: غول السينما المصرية الذي نحت مجداً خالداً في عصرها الذهبي

عباس فارس: غول السينما المصرية الذي نحت مجداً خالداً في عصرها الذهبي
Saudi 365
منذ 3 أسبوع
48

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان الكبير عباس فارس، أحد أبرز الوجوه التي شكلت ملامح السينما المصرية في عصرها الذهبي، تاركاً خلفه إرثاً فنياً عظيماً لا يزال صداه يتردد في أروقة الفن السابع. لم يكن فارس مجرد ممثل، بل ظاهرة فنية متفردة، حفر اسمه بحروف من نور في سجل الخالدين، مستحقاً عن جدارة لقب "غول السينما المصرية". هذا اللقب لم يأتِ من فراغ، بل كان تجسيداً لحضور طاغ، وصوت أجش فريد، وملامح حادة جعلته الخيار الأول للمخرجين في أدوار السلطة والهيبة، سواء كانت تاريخية أو درامية معاصرة، تتطلب جاذبية آسرة ووقاراً مهيباً.

نشأة الشغف وبزوغ نجم المسرح

ولد الفنان عباس فارس في الثاني والعشرين من إبريل عام 1902 بحي المغربلين بالقاهرة، حيث تملكه شغف التمثيل منذ الصغر. كانت خشبة المسرح ساحته الأولى، فشارك في إحدى فرق الهواة بمسرحية "شقاء الأبناء". في الخامسة عشرة من عمره، لفت أنظار عمالقة المسرح، فانضم إلى فرقة "جورج أبيض" العريقة، التي مثلت مدرسة فنية حقيقية لصقل المواهب، وتخريج أجيال من الممثلين المرموقين في تاريخ الفن المصري.

في رحاب فرقة جورج أبيض، صقل فارس موهبته وتشرب أبجديات التمثيل الكلاسيكي، وتلقى تدريباً مكثفاً. أسندت إليه أدوار كبرى في روائع شكسبير مثل "ماكبيث" و"عطيل"، أثبت فيها قدرته على التماهي مع الشخصيات المعقدة بعمق نفسي ومهارة أدائية عالية. كما شارك مع فرقة نجيب الريحاني، رائد الكوميديا المصرية، في أوبريت "العشرة الطيبة" من ألحان سيد درويش. هذه التجارب المسرحية المتنوعة، بين الكلاسيكية الجادة والكوميديا الغنائية، منحت فارس مرونة استثنائية وقاعدة فنية صلبة، شكلت ركيزة أساسية لانطلاقته السينمائية.

من خشبة المسرح إلى "غول السينما"

مع بزوغ فجر السينما المصرية في أواخر عشرينيات القرن الماضي، بدأ فارس مشواره السينمائي عام 1929 بفيلم "بنت النيل" مع رائدة السينما عزيزة أمير. كانت هذه الخطوة نقطة تحول، حيث وجد الجمهور فيه ممثلاً بكاريزما فريدة تتجاوز أبعاد الشاشة. لُقب بـ"غول السينما المصرية" ليس فقط لملامحه الحادة وصوته الأجش المميز، بل لأنه فرض حضوره الطاغي على كل مشهد. امتلك قدرة نادرة على تجسيد الشخصيات الشريرة والملكية والذكورية بقوة لا تضاهى، وكانت نظرته الثاقبة وإيماءاته المعبرة كفيلة بخلق أجواء من التوتر أو الوقار. هذا جعله مرشحاً أول لأدوار الأب القاسي، الزعيم، رجل السلطة، والشخصية التاريخية التي تتطلب هيبة ووقاراً.

مسيرة سينمائية حافلة وعطاء دولي

لم يتوقف عطاء عباس فارس السينمائي، فبعد "بنت النيل" استمر بوتيرة عالية حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، مثرياً الشاشة الفضية بنحو 150 عملاً فنياً متنوعاً. أثرى فارس الدراما التاريخية والاجتماعية والكوميدية، تاركاً بصمة واضحة في كل عمل. كان من الفنانين القلائل الذين حافظوا على مكانتهم في ظل التغيرات السينمائية، متأقلمًا مع الأجيال الجديدة. لم تقتصر موهبته على السينما العربية، بل تخطت الحدود إلى العالمية، فشارك في الفيلم الأمريكي "Egypt by Three" بدور الشيخ، مما عكس مدى تقدير موهبته الاحترافية والفريدة ودليلاً على عالمية فنه.

تميز عباس فارس بقدرة فائقة على تقديم أدوار متعددة، وبرع خاصاً في أدوار القوة والصرامة، دون أن يفقد قدرته على إظهار الجانب الإنساني. كان حضوره يملأ الشاشة ويضفي ثقلاً على الحوار، محولاً أصغر الأدوار إلى تأثير عميق. لم يكن مجرد مؤدٍ لنص، بل كان يخلق شخصية متكاملة بكل تفاصيلها الصوتية والجسدية والنفسية، مما جعل أدواره أيقونات فنية عالقة في الأذهان. إرثه السينمائي لا يكمن في الكم، بل في الجودة والمعيار الذي وضعه لأداء أدوار السلطة والقوة.

السنوات الأخيرة وإرث لا يُنسى

استمر عباس فارس في عطائه الفني حتى سنواته الأخيرة، فكان فيلم "العنيد" عام 1973، أمام فريد شوقي، آخر محطاته السينمائية. توج هذا الفيلم مسيرة طويلة حافلة بالعطاء والإبداع، أثبت فيها فارس قدرته على التألق حتى في مراحل متقدمة من عمره. وفي الثالث عشر من فبراير عام 1978، رحل الفنان الكبير عباس فارس عن عالمنا، عن عمر ناهز السادسة والسبعين في منزله بالعباسية. رحل جسداً، لكن روحه الفنية ظلت حية من خلال أعماله التي تُعرض باستمرار، لتذكر الأجيال المتعاقبة بعبقرية "غول السينما المصرية" وإرثه الخالد.

يظل عباس فارس ركيزة أساسية في صروح السينما والمسرح المصريين، فنان جمع بين صرامة الأداء المسرحي وجاذبية الحضور السينمائي، تاركاً مدرسة فريدة في التمثيل. الأجيال ستظل تستلهم من مسيرته الفنية، وتتذكر الفنان الذي لم يكتفِ بتجسيد الأدوار، بل عاشها بكل جوارحه، فخلد اسمه في صفحات تاريخ الفن المصري والعربي كواحد من أعظم مبدعيه.

الكلمات الدلالية: # عباس فارس # غول السينما المصرية # السينما المصرية الذهبية # فنان مصري # تاريخ الفن المصري # مسرح جورج أبيض # أفلام عباس فارس # عزيزة أمير # فريد شوقي # روائع المسرح