إخباري
الاثنين ١٦ فبراير ٢٠٢٦ | الاثنين، ٢٩ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

صوت غزة الصامد... تحديات الإعمار وحوكمة القطاع المحاصر وسط صراع الصلاحيات

صوت غزة الصامد... تحديات الإعمار وحوكمة القطاع المحاصر وسط صراع الصلاحيات
Saudi 365
منذ 1 يوم
14

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في قلب قطاع غزة المحاصر، ومن استوديو متواضع في دير البلح، ينطلق صوت المذيعة سيلفيا حسن عبر أثير إذاعة "هنا غزة" الجديدة، ليمثل بصيص أمل ومحاولة لاستعادة الحياة الطبيعية في منطقة مزقتها حربٌ مدمرة استمرت لأكثر من عامين. هذه الإذاعة، التي تعتبر من أوائل المحطات التي تبث من القطاع بعد هذه الحقبة العصيبة، تهدف، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، إلى أن تكون "لسان حال الناس" ومرآة تعكس معاناتهم وتطلعاتهم في ظل واقع إنساني كارثي لم يتبدل كثيراً رغم إعلان الهدنة الهشة.

تجلس سيلفيا على كرسي بذراعين ذي إطار ذهبي، محاطة بفريق تقني يعمل على ضبط مستويات الصوت، في مشهد يعكس الإصرار على العمل الصحافي في ظروف استثنائية. تؤكد العاملة في المجال التقني، شيرين خليفة، أن الإذاعة، التي تبث عبر موجة "إف إم"، تسعى لتغطية المشاكل والمعاناة التي يعيشها سكان القطاع، "خصوصاً بعد الحرب، فهناك الكثير من المشاكل التي يحتاج الناس إلى أن يعبِّروا عنها." وتضيف المذيعة سيلفيا حسن أن الإذاعة تطمح إلى الاستقلالية، وستركز جل اهتمامها على القضايا الاجتماعية والوضع الإنساني المتردي، بما في ذلك أوضاع النازحين، وتدقيق المساعدات، وحال النساء في مخيمات النزوح، ومستقبل الحياة التعليمية التي انهارت تماماً.

يمثل إطلاق هذه الإذاعة تحدياً هائلاً في ظل الحصار الإسرائيلي المشدد على قطاع غزة، الذي فرض منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر 2023. ويعاني القطاع من دمار واسع في البنى التحتية، وشح في الاتصالات والكهرباء. تقول شيرين خليفة: "مشكلة الكهرباء من المشاكل الخطيرة جداً والصعبة جداً في قطاع غزة"، مشيرة إلى اضطرارهم للاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية تارة، ومولد كهربائي خارجي تارة أخرى، لسد النقص المزمن. كما أن عدم توفر الإنترنت بشكل مستقر يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البث، مما يستدعي "جهداً كبيراً لحل هذه المشكلة لكي لا ينقطع الصوت". وفي ظل الحصار الذي يمنع دخول الأجهزة الحديثة، اضطر فريق الإذاعة إلى "الاستثمار فيما هو موجود" لتسيير العمل. يتم تمويل هذا المشروع الطموح من قبل الاتحاد الأوروبي، وتشرف عليه منظمة "فلسطينيات" الداعمة للصحافيات، بالإضافة إلى المركز الإعلامي في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، حيث من المتوقع أن تبث الإذاعة ساعتين يومياً من غزة ولفترة أطول من نابلس. بالنسبة لسيلفيا حسن، "هذه الإذاعة كانت حلماً عملنا على تحقيقه على مدار شهور طويلة، وأحياناً لم نكن ننام لتحقيق هذا الإنجاز الذي كان بمثابة تحدٍ لنا وقصة صمود".

تحديات الهدنة والوضع الإنساني الكارثي

على الرغم من سريان هدنة بين إسرائيل وحركة "حماس" منذ العاشر من أكتوبر، والتي جاءت بضغط أميركي بعد نحو عامين من الصراع، إلا أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال مأساوياً. نزح غالبية سكان القطاع، الذين يفوق عددهم المليونين، مرة واحدة على الأقل جراء القتال، ولا يزال الكثيرون منهم يعيشون في ملاجئ مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الصحية. وتشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن أكثر من 590 فلسطينياً قد قتلوا على يد القوات الإسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار، في حين تؤكد إسرائيل مقتل 4 من جنودها على يد مسلحين فلسطينيين في الفترة ذاتها، مما يعكس استمرار الخروقات المتبادلة وتدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية.

اللجنة الوطنية لإدارة غزة: صراع الصلاحيات على طريق الحوكمة

في خضم هذه التحديات، تتسارع المحادثات الثنائية بشأن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، كان آخرها زيارة وفد من حركة "حماس" للقاهرة. ويبرز دور اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة كفاعل محوري، رغم أنها تواجه عقبات جسيمة تعرقل تسلمها لمهامها. فقد دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في خطاب ألقاه نيابة عنه رئيس وزرائه محمد مصطفى في أديس أبابا، إلى رفع "جميع المعوقات" الإسرائيلية أمام تنفيذ المرحلة الثانية، بما في ذلك عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي من المتوقع أن تتولى إدارة القطاع مؤقتاً.

تتمثل إحدى أبرز هذه المعوقات في استمرار الرفض الإسرائيلي لدخول أعضاء اللجنة عبر معبر رفح، مما يعيق بشكل مباشر بدء عملها. إلا أن التحديات لا تقتصر على الجانب الإسرائيلي، بل تمتد إلى صراعات داخلية تتعلق بتسلم الحكم من "حماس"، وعلى رأسها ملف الأمن. فقد سعت "حماس" مراراً لاستبعاد الضابط المتقاعد من جهاز المخابرات الفلسطينية، سامي نسمان، من منصب الداخلية المسؤول عن الوضع الأمني داخل القطاع. ورغم إصرار الوسطاء والولايات المتحدة على بقاء نسمان في منصبه، بعدما تم التنازل عن رغبة "حماس" وفصائل أخرى بشأن ملف الأوقاف والشؤون الدينية، فإن مصادر مقربة من اللجنة كشفت لـ"الشرق الأوسط" أن "حماس" تتمسك حتى الآن بإبقاء عناصرها الأمنية ضمن الأجهزة التي ستشرف عليها اللجنة، وهو ما ترفضه إدارة اللجنة والهيئة التنفيذية لـ"مجلس السلام" وجهات دولية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.

توضح المصادر أن هذا الإصرار من "حماس" على مطالبها بشأن موظفيها الأمنيين وقواتها الشرطية يهدف إلى فرض وجودها ضمن عمل اللجنة، مما يزيد من تعقيد مهامها ويجعل تسلمها لمهامها بشكل سليم أمراً بالغ الصعوبة. وهناك شعور سائد لدى اللجنة وجهات أخرى بأن "حماس" تسعى بكل السبل لإبقاء عناصرها ضمن المنظومة الجديدة، بل ولم تتوقف عن إحداث تعيينات جديدة في قيادات أجهزتها الأمنية، وهو ما يُفسر كجزء من محاولات "تخريب خطط أعدت من قبل سامي نسمان لإدارته لملف الأمن".

في المقابل، تنفي مصادر من "حماس" هذه الاتهامات، مؤكدةً لـ"الشرق الأوسط" أن سامي نسمان "لا يخطط للقدوم لغزة في الوقت الحالي، وهذا يضع علامات استفهام حول جديته في إدارة ملف الداخلية". وتضيف المصادر أن الحركة، رغم تحفظاتها السابقة على نسمان وأحكام قضائية صدرت بحقه لوقوفه خلف "مخططات تخريبية"، ليس لديها مشكلة في قدومه وتوليه مسؤولياته في ظل الواقع الحالي. وتؤكد "حماس" أن المؤسسات الحكومية في غزة جاهزة للتسليم، وأن كل وزارة لديها نظام وترتيب كامل لإتمام عملية التسليم بيسر، معربة عن حرصها على إنجاح عمل اللجنة الوطنية، شريطة ألا تُفرض عليها سياسات عليا تجعلها مجرد أداة لتنفيذ أجندات خارجية.

اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي رحبت "حماس" علناً بعملها وتعهدت بتسهيل مهامها، أصدرت بياناً أكدت فيه أن إعلان الجهوزية لتسليم إدارة المؤسسات يمثل خطوة إيجابية تصب في مصلحة المواطن، وتمهد لتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها في إدارة المرحلة الانتقالية. واعتبرت اللجنة أن الاستعداد لانتقال منظم محطة مفصلية لوقف التدهور الإنساني والحفاظ على صمود المواطنين. وشددت اللجنة على أن أولويتها تتمثل في ضمان تدفق المساعدات دون عوائق، وإطلاق عملية الإعمار، وتهيئة الظروف لتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، بما ينسجم مع خطة النقاط العشرين وقرار مجلس الأمن رقم 2803.

كما أكدت اللجنة أنه لا يمكنها تحمل مسؤولياتها بفعالية ما لم تُمنح الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة، بالإضافة إلى المهام الشرطية، داعية إلى "تمكين حقيقي يتيح لها العمل بكفاءة واستقلالية"، مما سيفتح الباب أمام دعم دولي جاد لجهود الإعمار ويهيئ لانسحاب إسرائيلي كامل واستعادة الحياة الطبيعية.

تداعيات إقليمية ودولية متصاعدة

في سياق متصل، تتوالى التطورات الإقليمية والدولية التي تسلط الضوء على القضية الفلسطينية. فقد انضمت ألمانيا مؤخراً إلى فرنسا في المطالبة باستقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرنشيسكا ألبانيزي، مما يشير إلى توترات دبلوماسية حول الملف. كما تحدث المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيليب لازاريني، عن مخاوفه بشأن غزة والضفة الغربية قبل مغادرته منصبه، في إشارة إلى استمرار الأزمة الإنسانية وتحديات عمل المنظمات الدولية. وعلى الصعيد الأمني، عززت الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة من تأهبها تحسباً لحملة اغتيالات إسرائيلية مستمرة تستهدف قيادات ونشطاء من حركتي "حماس" و"الجهاد"، مما ينذر بمزيد من التصعيد في أي وقت.

نحو مستقبل غامض: بين الصمود والحوكمة

إن قصة "هنا غزة" والجهود المضنية لتأسيس إدارة جديدة للقطاع تعكسان صورة معقدة لغزة؛ صورة تجمع بين الصمود والتحدي اليومي للسكان، وبين التعقيدات السياسية والإقليمية التي تحول دون تحقيق الاستقرار. فبينما يصر صوت الإذاعة على كسر حاجز الصمت والمعاناة، تظل مسارات الإعمار والحوكمة مرتبطة بمدى قدرة الأطراف المختلفة على تجاوز خلافاتها، وتذليل العقبات المفروضة، بما يضمن تمكين اللجنة الوطنية من أداء مهامها بكفاءة واستقلالية، ويعيد بعضاً من الحياة إلى قطاع أنهكته الحروب والحصار.

الكلمات الدلالية: # غزة # وقف إطلاق النار # اللجنة الوطنية # حماس # إسرائيل # المساعدات الإنسانية # إذاعة هنا غزة # إعمار غزة # الوضع الأمني # فلسطين # حصار غزة