تكنولوجيا

صمود الصناعة الصينية أمام حرب ترمب التجارية: مرونة سلاسل التوريد وتحديات التنويع

سعت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إضعاف الصناعة الصينية، لكن عام 2025 أظهر مرونة لافتة للقطاع. فبينما واجهت شركات مثل «أجيليان تكنولوجي» تحديات جمة دفعتها لاستكشاف بدائل إنتاجية، أكدت الأزمة في النهاية الدور المحوري للصين في سلاسل التوريد العالمية وصعوبة تكرار نموذجها.

137 مشاهدة 1 دق قراءة
1.0×

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

شكلت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على المنتجات الصينية محاولة واضحة لإلحاق الضرر بالقطاع الصناعي في بكين، وإعادة صياغة ميزان القوى الاقتصادي العالمي. ومع ذلك، وبنهاية عام 2025 المضطرب، خرجت العديد من الشركات، ومنها شركة «أجيليان تكنولوجي» للإلكترونيات، بإيمان راسخ بأن الصين تمثل سوقاً ومركزاً تصنيعياً يصعب تكراره، ما لم تشهد الظروف تحولات جذرية غير متوقعة. هذه التجربة الطويلة والمعقدة تلقي الضوء على الطبيعة المتشابكة لسلاسل التوريد العالمية ومدى ترابط الاقتصادات الكبرى.

الحرب التجارية: ارتباك أول وتحديات كبرى

في البداية، أحدثت التعريفات الجمركية فوضى عارمة في أوساط الشركات الصينية، وشركة «أجيليان تكنولوجي» – التي تعتمد بشكل كبير على العلامات التجارية الغربية في تصنيع منتجاتها – لم تكن بمنأى عن هذا الاضطراب. فقد تجمدت طلباتها الأمريكية، التي تمثل أكثر من نصف إيراداتها السنوية البالغة 30 مليون دولار، لأشهر عدة. وبدأ العملاء يضغطون بقوة على الشركة لإنشاء خطوط إنتاج خارج الصين كاستجابة مباشرة للتهديدات الجمركية. وتعكس البيانات الاقتصادية هذه الفترة الصعبة، حيث انكمش مؤشر مديري المشتريات الرسمي في الصين خلال معظم العام الماضي، مسجلاً في أبريل 2025 أضعف قراءة له منذ ديسمبر 2023.

استراتيجية بكين المضادة ومرونة الصناعة الصينية

لم تقف بكين مكتوفة الأيدي أمام هذه الهجمات التجارية. فسرعان ما ردت بفرض قيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية يصعب على الشركات الأمريكية الحصول عليها من مصادر أخرى. هذه الخطوة، التي وصفها دينيس ديبو، المدير العام لشركة «رولاند بيرغر» الاستشارية، بأنها «سلاح نووي تجاري»، أظهرت نفوذ الصين الكبير في سلاسل التوريد العالمية ومكنتها من خفض بعض الرسوم الجمركية المفروضة عليها. ونتيجة لذلك، شهد مؤشر مديري المشتريات الرسمي في الصين نمواً بأسرع وتيرة له في عام خلال مارس الماضي، مما سمح لـ«أجيليان» بالتعافي وتعزيز مكانتها، على الرغم من مساعيها لنقل بعض عملياتها إلى الخارج. هذا الانتعاش قد يفاجئ ترمب، الذي بنى حملته الانتخابية على فكرة استخدام الرسوم الجمركية لتعزيز الاقتصاد الأمريكي.

إعادة هيكلة الروابط التجارية بدلاً من الإعاقة

وفقاً لنيك مارو، كبير الاقتصاديين لشؤون آسيا ورئيس قسم التجارة العالمية في وحدة البحوث الاقتصادية التابعة لمجلة «الإيكونوميست»، فإن «البيانات تؤكد أن تعريفات ترمب الجمركية لم تعرقل الزخم الذي شهدناه في قطاع التصنيع الصيني»، بل «أدت إلى إعادة هيكلة الروابط التجارية وسلاسل التوريد». وقد انعكس هذا في الأرقام الرسمية؛ فالفائض التجاري الصيني ارتفع إلى 213.6 مليار دولار في أول شهرين من عام 2026، مقارنة بـ169.21 مليار دولار في العام السابق. وفي عام 2025 وحده، زاد الفائض التجاري الصيني بمقدار الخمس ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، وهو ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لهولندا. ورغم تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 20 في المائة عام 2025، إلا أن السوق الصينية الضخمة وسلاسل التوريد المتكاملة أثبتت قدرتها على التكيف.

مساعي التنويع الفاشلة: الهند وماليزيا كبدائل غير جاهزة

مع تصاعد شعبية ترمب في استطلاعات الرأي عام 2024، سارع عملاء «أجيليان» إلى طلب شحن منتجاتهم إلى مستودعات في أمريكا الشمالية لتجنب الرسوم، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار التخزين. ومع إعادة انتخاب ترمب، ارتفعت حدة القلق، مما دفع العملاء للضغط على «أجيليان» لإنشاء قواعد إنتاج خارج الصين. وبالفعل، سعت الشركة لإنشاء كيان في الهند، لكن معظم العملاء رفضوا العمل هناك بسبب المخاوف من بطء الإنتاج وتأخيرات الجمارك، وهي مخاوف أكدها فابيان غوسورغ، الرئيس التنفيذي لـ«أجيليان»، مشيراً إلى أن تأسيس الشركة رسمياً في الهند استغرق عاماً كاملاً. كما نظرت الشركة إلى بينانغ في ماليزيا كبديل، مفضلة موقعها بعيداً عن التوترات المحتملة في بحر الصين الجنوبي.

تصاعدت الأزمة عندما زادت الرسوم الجمركية على الصادرات الصينية على مرحلتين لتصل إلى 20%، ثم قفزت بنسبة 34 نقطة مئوية أخرى في أبريل 2025، لتصبح كارثة حقيقية دفعت الكثير من عملاء «أجيليان» لإلغاء طلباتهم، مما أدى إلى تراكم البضائع في مصنع دونغقوان. ردت الصين بالمثل، وتصاعدت الرسوم الجمركية لتتجاوز 100% من الجانبين قبل نهاية الشهر. ووصف رينو أنجوران، نائب رئيس الشركة، الوضع قائلاً: «توقفت الأمور تماماً». ورغم البحث عن مساحات صناعية في دارواد بالهند ودراسة النقل إلى الولايات المتحدة، وجدت «أجيليان» أن سلاسل التوريد هناك غير مكتملة، وتكاليف العمالة مرتفعة، مما يجعل الاعتماد على المكونات الصينية الخاضعة للرسوم الجمركية أمراً لا مفر منه.

التهدئة المؤقتة والاعتماد المستمر على الصين

في مايو 2025، ألغت اتفاقية بين واشنطن وبكين معظم الرسوم الجمركية المفروضة على الصين، مما أدى إلى انتعاش الطلبات لدى «أجيليان». ومع ذلك، لم تكن رحلة التنويع خالية من التحديات، ففي أغسطس، رفع ترمب الرسوم الجمركية على الهند بنسبة 50% لإجبارها على وقف شراء النفط الروسي، وهو ما لم يثنِ أنجوران عن مواصلة خطط التنويع كاستراتيجية طويلة الأمد لتصبح شركة تصنيع متعددة الجنسيات. لكن عمليات ما قبل الإنتاج في بينانغ كشفت عن أن «كل شيء يستغرق وقتاً أطول بكثير» مما هو عليه في الصين، مما يؤكد كفاءة النموذج الصيني.

كشفت ضوابط التصدير الصينية على المواد الأساسية، خلال صيف 2025، عن مدى اعتماد الولايات المتحدة على المواد المصنعة حصرياً في الصين، مما أثر على صناعات السيارات والدفاع وغيرها. وقد أدت الاجتماعات اللاحقة بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ إلى خفض إضافي للرسوم الجمركية. بحلول ذلك الوقت، توقف عملاء «أجيليان» عن الاستفسار عن الرسوم ونقل الإنتاج، حيث شهد النصف الثاني من عام 2025 الأكثر ازدحاماً في تاريخ الشركة من حيث ساعات الإنتاج، بزيادة 29% عن النصف الأول.

نظرة مستقبلية مثقلة بالمخاوف

يخطط غوسورغ لزيادة إيرادات «أجيليان» بنسبة 30% خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع الاستمرار في تطوير مرافق الشركة في الهند وماليزيا كإجراء احترازي. لكنه يخشى أن يعرقل ترمب هذا النمو مجدداً. فالتكلفة المنخفضة والجودة العالية للمكونات الصينية جعلت مقر الشركة في دونغقوان لا غنى عنه. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، كما أشار غوسورغ بشأن «اندلاع الحرب الإيرانية»، تظل الشركات العالمية أسيرة لتقلبات المشهد الدولي، مما يجعل المرونة والتكيف مع التغييرات السريعة ضرورة ملحة لاستدامة الأعمال في ظل اقتصاد عالمي متقلب.

مشاركة:

أخبار ذات صلة

لم تقرأها بعد