إخباري
الاثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦ | الاثنين، ٤ شوال ١٤٤٧ هـ
عاجل

حروب الشرق الأوسط: دمار يتجاوز البشر والبنيان ليفتك ببيئة المنطقة

تصعيد النزاعات يفاقم التلوث الجوي والمائي والتربة، مهدداً صح

حروب الشرق الأوسط: دمار يتجاوز البشر والبنيان ليفتك ببيئة المنطقة
عبد الفتاح يوسف
منذ 4 يوم
29

في ظل تصاعد وتيرة المواجهة والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط، تتزايد المخاوف من تداعيات كارثية تتجاوز الخسائر البشرية وتدمير البنى التحتية، لتطال البيئة بشكل مباشر وخطير. فالحروب الحديثة، بما تحمله من قصف مكثف وانفجارات مدمرة، لا تترك آثارها على المدن والمباني فحسب، بل تمتد لتفتك بالهواء والمياه والتربة، مخلّفة أضراراً بيئية قد تهدد صحة الإنسان ومستقبل الأجيال لسنوات طويلة قادمة.

تلوث الهواء: غيوم سامة تخنق المنطقة

تشير تقارير متخصصة، منها ما أعدته شبكة الجزيرة، إلى أن آثار الصراع في المنطقة لم تعد تقتصر على الخسائر العسكرية والاقتصادية، بل بدأت تتجلى بوضوح في صورة أزمات بيئية متصاعدة. ومع كل غارة أو انفجار في ساحات القتال، تتسع دائرة التلوث البيئي، حيث تتصاعد أعمدة الدخان والمواد الكيميائية السامة في الهواء، حاملة معها مخاطر طويلة الأمد على الإنسان والطبيعة، خاصة في إيران والدول المجاورة لها.

في هذا السياق، رصدت وحدة البيانات في الجزيرة تغيرات ملحوظة في جودة الهواء عقب القصف الإسرائيلي الذي استهدف مستودعات ومصافي نفط في محافظتي طهران والبرز في التاسع من مارس/آذار الجاري، وذلك بالاعتماد على بيانات التقطتها الأقمار الصناعية. وكشفت هذه البيانات عن ارتفاع حاد ومقلق في مستويات غاز ثاني أكسيد الكبريت (SO2)، وهو أحد أبرز نواتج احتراق الوقود الأحفوري، إذ ارتفعت نسبته إلى نحو 5 أضعاف مقارنة بالمستويات التي كانت مسجلة قبل وقوع الهجمات.

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية انتشار ما يشبه غيمة سوداء كثيفة فوق مصفاة طهران، امتدت على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة، إلى جانب سحابة أخرى رُصدت فوق منطقة شهران شمالي العاصمة على مساحة تقارب كيلومتراً مربعاً. ويمثل هذا الغاز أحد أخطر الملوثات الهوائية، إذ يؤدي ارتفاع تركيزه في الهواء إلى تهيّج الجهاز التنفسي وتضيّق الشعب الهوائية، كما يزيد من حدة نوبات الربو والتهابات القصبات، وتزداد خطورته على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.

ولم تقتصر التغيرات البيئية على غاز ثاني أكسيد الكبريت، إذ رصدت وحدة البيانات في الجزيرة أيضاً زيادة بنسبة 15% في مستويات الأوزون الأرضي (O3) في محافظتي طهران والبرز خلال الفترة ذاتها. ويتكون الأوزون القريب من سطح الأرض عندما تتفاعل الملوثات المنبعثة من الدخان والاحتراق مع أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تشكّل غاز مهيّج للرئتين يمكن أن يسبب صعوبات في التنفس وزيادة في نوبات الربو، مما يفاقم الأزمة الصحية في المناطق المتضررة.

تأثيرات بيئية أوسع: من التربة إلى المياه

لا تقتصر الأضرار البيئية على التلوث الجوي فحسب، إذ يشير مرصد الصراعات والبيئة في لندن إلى تسجيل أكثر من 300 حادثة ضرر بيئي جسيم في المنطقة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير/شباط الماضي. وتتراوح هذه الحوادث بين حرائق واسعة في منشآت صناعية ونفطية، وتسربات كيميائية خطيرة، إضافة إلى تلوث مصادر المياه والتربة في مناطق متعددة من الشرق الأوسط.

وفي طهران والبرز تحديداً، سُجلت حالات هطول أمطار ملوثة بمواد كيميائية ناتجة عن التفاعل بين الانبعاثات الصناعية والملوثات الناتجة عن القصف، ما أدى إلى تسجيل آلاف الإصابات بالتهابات تنفسية وحروق كيميائية. ويحذّر مختصون من أن هذه الظواهر قد تتحول إلى مشكلة بيئية متكررة ومستمرة إذا استمرت العمليات العسكرية، خاصة مع تراكم الملوثات في طبقات الجو السفلى وانتقالها لمسافات بعيدة بفعل الرياح.

الخليج العربي في خطر: تهديدات بحرية ومائية

تتزايد المخاوف من تلوث محتمل في مياه الخليج العربي، بعد تعرض نحو 12 ناقلة نفط وسفينة تجارية للقصف خلال العمليات العسكرية الأخيرة، ما يثير مخاوف جدية من تسربات نفطية قد تضر بالنظم البيئية البحرية الهشة. ويُعد الخليج أحد أكثر المناطق حساسية بيئياً في العالم، إذ يمكن لأي تسرب نفطي واسع أن يهدد الحياة البحرية، ويؤثر على مصايد الأسماك والسواحل، فضلاً عن انعكاساته الاقتصادية السلبية على دول المنطقة.

كما تهدد الهجمات التي تطول منشآت البنية التحتية المائية، مثل محطات تحلية المياه، مصادر الشرب لملايين السكان في المنطقة. ففي ظل اعتماد نحو 100 مليون شخص على هذه المحطات لتوفير المياه العذبة، فإن أي ضرر يلحق بها يمثل كارثة إنسانية وبيئية محتملة.

تلوث التربة والمياه الجوفية: إرث مدمر طويل الأمد

لا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، إذ تمتد آثار التلوث أيضاً إلى التربة والموارد المائية الجوفية. فقد تتسرب المواد الكيميائية والوقود المحترق إلى باطن الأرض، مسببة تلوثاً طويل الأمد يصعب معالجته سريعا. ويؤكد خبراء البيئة أن معالجة آثار التلوث في التربة والمياه الجوفية قد تستغرق سنوات طويلة، إضافة إلى تكاليف باهظة قد تصل إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، مما يضع عبئاً اقتصادياً وبيئياً هائلاً على كاهل الدول المتضررة.

إن الحرب في الشرق الأوسط، بما تخلفه من دمار بيئي واسع النطاق، ليست مجرد صراع على الأرض، بل هي اعتداء على مستقبل الحياة نفسها في المنطقة. فالصحة العامة، الموارد الطبيعية، والتوازن البيئي كلها تدفع ثمناً باهظاً قد لا تستطيع المنطقة التعافي منه بسهولة، مما يستدعي اهتماماً دولياً عاجلاً لهذه الكارثة الصامتة.

الكلمات الدلالية: # حروب الشرق الأوسط # تلوث بيئي # أضرار بيئية # صراعات المنطقة # جودة الهواء # تلوث المياه # صحة البيئة # ثاني أكسيد الكبريت