إخباري
الخميس ٢٦ فبراير ٢٠٢٦ | الخميس، ٩ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

إعادة التوازن الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي في الشراكات البحثية مع الصين: تحول في أفق أوروبا

برنامج أفق أوروبا يشهد تحولات جذرية في شروط التمويل للكيانات

إعادة التوازن الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي في الشراكات البحثية مع الصين: تحول في أفق أوروبا
7DAYES
منذ 6 ساعة
10

بروكسل - وكالة أنباء إخباري

إعادة التوازن الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي في الشراكات البحثية مع الصين: تحول في أفق أوروبا

في خطوة استراتيجية تعكس المشهد الجيوسياسي المتغير، يشهد برنامج الاتحاد الأوروبي الرائد للبحث والابتكار، «أفق أوروبا» (Horizon Europe)، تحولاً جذرياً في نهجه تجاه الشراكات العلمية مع الصين. اعتباراً من عام 2026، لم تعد المنظمات والكيانات الصينية مؤهلة تلقائياً للحصول على تمويل الاتحاد الأوروبي في قطاعات التكنولوجيا الحيوية مثل الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، تقنيات الكم، والتكنولوجيا الحيوية، مما يمثل خروجاً حاداً عن السياسات السابقة التي كانت تسمح بمشاركة صينية أوسع.

هذا التحول، الذي تم إقراره في أواخر عام 2025، ليس مجرد تعديل إداري بسيط، بل هو تتويج لسنوات من المفاوضات والإشارات الاستراتيجية داخل أروقة بروكسل. لطالما كانت المشاركة مع دول ثالثة مثل الصين مشروطة، حيث كان يُسمح للباحثين الصينيين بالمساهمة كشركاء منتسبين وغالباً ما يُطلب منهم إحضار تمويلهم الخاص. ومع ذلك، فإن التغييرات الجديدة تضع حواجز فعلية، تتطلب من الشركاء الأوروبيين إثبات أن متعاونيهم ليسوا مملوكين أو خاضعين لسيطرة كيانات صينية في المجالات الحساسة، مما يغير بشكل أساسي ديناميكيات التعاون.

تداعيات السياسة والتحديات الجيوسياسية

تستند المبررات الرسمية لهذه التعديلات، كما وردت في نصوص المفوضية الأوروبية، بشكل كبير على مخاوف تتعلق بأمن البحث، وحماية الملكية الفكرية، والمخاطر المتصورة لنقل غير مقصود للتكنولوجيا الاستراتيجية حيث تتداخل الحدود المدنية والعسكرية. تسلط هذه المخاوف الضوء على التوتر الأساسي داخل سياسة الاتحاد الأوروبي، التي تسعى إلى تحقيق توازن بين طموح التعاون العلمي المفتوح والتركيز المتزايد على الاستقلالية الاستراتيجية. فبينما لا يزال الاتحاد الأوروبي يدافع عن الاكتشاف التعاوني عبر الحدود، فإنه يدرك أن النظام البيئي البحثي اليوم متشابك مع ديناميكيات القوة العالمية بطرق لم تكن متخيلة من قبل.

على مدى العقد الماضي، برزت الصين كلاعب رئيسي في الشبكات العلمية العالمية، حيث شارك باحثوها بانتظام في تأليف أوراق بحثية مع نظرائهم الأوروبيين، وتحولت قاعدتها العلمية المحلية سريعة التوسع، المدعومة غالباً بآليات الدولة، من مواقع هامشية إلى مركزية في تخصصات تتراوح من علم المواد إلى البيولوجيا الحاسوبية. ومع ذلك، فإن البنية الجديدة لبرنامج أفق أوروبا تعني أن المشاركة لم تعد مرادفة للوصول إلى أموال الاتحاد الأوروبي، مما يغير بشكل كبير الحوافز وديناميكيات القوة في التعاون.

تغيير قواعد اللعبة للكونسورتيوم البحثي

من الناحية العملية، تؤثر القواعد الجديدة على كيفية تشكيل الكونسورتيوم البحثي وعمله. يجب على المؤسسات الأوروبية التي تسعى للعمل في طليعة التقنيات الناشئة الآن أن تأخذ في الاعتبار قيود الأهلية عند هيكلة الشراكات. فبينما كانت الكونسورتيوم متعددة الجنسيات يمكنها في السابق مزج الباحثين من مختلف القارات باحتكاك إجرائي بسيط، يجب عليها الآن تصميم تعاونات تستبعد شركاء معينين من تدفقات التمويل أو تبرر وجودهم من خلال آليات بديلة. وهذا يضع قيمة متجددة على الخبرة القانونية، وإدارة الكونسورتيوم، والتوافق مع الأولويات الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي، وهي طبقة إدارية إضافية لم تكن موجودة بنفس الدرجة في أطر التعاون السابقة.

قد تكون لهذه القيود عواقب فكرية أو علمية غير مقصودة. فعندما يتم دفع أنظمة بحثية كبيرة إلى الهامش، هناك خطر من تطور أنظمة بيئية موازية، مع تقليل قابلية التشغيل البيني بينها. على المدى الطويل، قد يؤدي ذلك إلى تغيير شبكات الاستشهاد، ومعايير التعاون، وأنماط تنقل الباحثين. وقد يدفع أيضاً جهات فاعلة قوية أخرى إلى تبني تدابير مماثلة، مما يعيد تشكيل المشهد العلمي العالمي إلى كتل متميزة تحددها حواجز السياسة بدلاً من الاستقصاء المفتوح.

المستقبل: توازن دقيق بين الانفتاح والحذر

من المهم التأكيد على أن الاتحاد الأوروبي لم يتخل عن المشاركة العلمية الثنائية بالكامل. فآليات خارج برنامج أفق أوروبا، بما في ذلك خطط التنقل وأدوات التمويل المشترك المستهدفة المصممة لدعم تبادل الباحثين، لا تزال قائمة، ويظل التعاون في التحديات العابرة للحدود مثل تغير المناخ والتنوع البيولوجي نشطاً. ما تغير هو وزن الحساب الاستراتيجي في القرارات المتعلقة بمكان وكيفية استثمار تمويل الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، أصبحت السياسة العلمية في أوروبا الآن تقع عند تقاطع التميز البحثي، والسيادة الاقتصادية، والاستراتيجية الجيوسياسية.

بالنسبة للمجتمع البحثي في أوروبا، يطرح هذا مجموعة معقدة من الأسئلة: هل يؤدي التحكم الأكثر صرامة في التعاون الاستراتيجي إلى تعزيز قاعدة الابتكار الأوروبية؟ أم أنه يخاطر بعزل العلم الأوروبي عن تدفقات المواهب والمعرفة؟ ما هو واضح، مع ذلك، هو أن «أفق أوروبا»، الذي كان يُعرف في السابق بشكل أساسي كوسيلة للتميز والاكتشاف، أصبح الآن أيضاً مرآة للحقائق الجيوسياسية المتغيرة، مما يوضح كيف أصبحت السياسة العلمية جزءاً من جهود أوسع للتنقل في حالة عدم اليقين في عالم متعدد الأقطاب.

في النهاية، يبدو قرار الاتحاد الأوروبي بإعادة رسم شروط الشراكة البحثية مع الصين أقل شبهاً بإغلاق الأبواب وأكثر شبهاً بإعادة معايرة بوصلة أوروبا. إنه يقر بعالم لم تعد فيه الاكتشافات العلمية والتيارات الجيوسياسية مسارات متوازية، بل متشابكة بعمق. يقف برنامج أفق أوروبا، الذي كان ذات يوم رمزاً كبيراً للتعاون العلمي المفتوح، الآن أيضاً علامة على البصيرة الاستراتيجية، مساحة تسعى فيها أوروبا إلى الموازنة بين الانفتاح والحذر، والفضول والسيطرة. هذه النقطة المحورية لا تشير إلى تراجع عن المشاركة العالمية، بل تعكس واقعية حديثة للبحث: حيث لا تستند قرارات التمويل إلى الجدارة العلمية فحسب، بل إلى مسائل الأمن والمعاملة بالمثل والسيادة التكنولوجية طويلة الأجل. في مشهد يتسم بالمنافسة المتزايدة على التقنيات الرائدة، تختار أوروبا تحوط رهاناتها، وفتح بعض الأبواب على مصراعيها، بينما تشد أخرى. قد لا يكون مستقبل التعاون العلمي عزلة تامة ولا انفتاحاً كاملاً، بل رقصة دقيقة بين التعاون والتحكم.

الكلمات الدلالية: # الاتحاد الأوروبي # أفق أوروبا # الصين # شراكات بحثية # تمويل علمي # تكنولوجيا # ذكاء اصطناعي # أشباه موصلات # أمن البحث # ملكية فكرية # سيادة تكنولوجية # جيوسياسة # تعاون علمي