إخباري
الجمعة ١٧ أبريل ٢٠٢٦ | الجمعة، ٢٩ شوال ١٤٤٧ هـ
عاجل
متاح أيضاً بـ: العربية

جوجل تحت النار: هل تحولت محرك البحث العملاق إلى مجرد واجهة إعلانية؟

جوجل تحت النار: هل تحولت محرك البحث العملاق إلى مجرد واجهة إعلانية؟
وكالة أنباء إخباري
منذ 1 أسبوع
91

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

تدهور تجربة البحث: بين الإعلانات وملخصات الذكاء الاصطناعي

بالنسبة لجيل نشأ في عالم رقمي لا يمكن تصور وجوده بدون جوجل، فإن ما يحدث اليوم لمحرك البحث العملاق يبدو مؤلماً ومربكاً. لعقود من الزمن، كانت جوجل هي البوابة الافتراضية للمعرفة، ملاذ كل فضول وتقنية. أي سؤال، مهما كان طابعه، كان يقود إلى حل واحد: البحث في جوجل. لم يكن هناك بديل يُذكر، فقد كانت عبارة "ابحث في جوجل" مرادفاً شاملاً لـ "ابحث في الإنترنت". لذلك، فإن أي تدهور في أداء جوجل يبدو وكأنه خلل أساسي في نسيج العالم الرقمي.

إن تجربة البحث الحالية على جوجل تختلف جذرياً عما كانت عليه. قم الآن بكتابة أي استعلام، وقبل أن تصل إلى أول نتيجة حقيقية، ستجد نفسك تواجه ملخصاً للذكاء الاصطناعي لم تطلبه، تتبعه أربعة إعلانات ضخمة، ثم نتائج من خدمات جوجل الداخلية مثل "Google Shopping" و"Google Hotels". فقط بعد هذا الطوفان التجاري، إذا تحليت بالصبر، قد تجد رابطاً أو رابطين من الويب الفعلي. لم يعد هذا بحثاً بالمعنى التقليدي، بل أشبه بمتجر كبير يفرض عليك المرور عبر أقسامه التجارية قبل الوصول إلى وجهتك.

اختفاء "فوق الطية": الإعلانات وملخصات الذكاء الاصطناعي تسيطر على الصفحة الأولى

مصطلح "above the fold"، الذي يشير إلى ما يظهر على الشاشة قبل أي تمرير، كان يمثل في عصر الصحافة المكانة الأبرز للأخبار الهامة. وفي البحث الرقمي، كان هذا هو المكان الذي تبدأ فيه رحلة البحث الحقيقية. لكن الوضع تغير. يصف متخصصو تحسين محركات البحث كيف أن الشاشات الحديثة، حتى بدون استخدام أدوات خصوصية، لا تعرض أي نتيجة عضوية "فوق الطية". المساحة المرئية بالكامل باتت محتلة بالإعلانات، وخدمات جوجل الداخلية، وملخصات الذكاء الاصطناعي. يتفاقم هذا الوضع بشكل كبير عند البحث عن عبارات ذات نية شرائية واضحة، مثل "أفضل VPN" أو "مقارنة هواتف"، حيث يتحول البحث إلى جدار صلب من الإعلانات يسبق أي محتوى مفيد.

إن جوجل، بفضل قدرتها على تحليل نوايا المستخدمين، تعطي الأولوية القصوى للاستعلامات التي يُحتمل أن تتحول إلى نقرات مدفوعة، مفضلةً بذلك المنفعة التجارية على تقديم إجابات مباشرة وفعالة. وعند إطلاق ميزة "AI Overviews"، وعدت جوجل بتسريع البحث وجعله أكثر ذكاءً. لكن الواقع كان مختلفاً؛ فقد أصبح الثلث العلوي من الشاشة محتلاً بملخص آلي، مما يعني الحاجة للتمرير مرتين أو ثلاث مرات للوصول إلى أول رابط خارجي. هذا التحول لم يكن عشوائياً، بل يعكس رغبة جوجل في إبقاء المستخدمين داخل منصتها لأطول فترة ممكنة، بدلاً من توجيههم إلى المواقع التي أنتجت المحتوى الأصلي.

تأثيرات كارثية على ناشري المحتوى والبحث العلمي

لا تقتصر المشكلة على تصميم الواجهة، بل تمتد إلى التنفيذ. ملخصات الذكاء الاصطناعي تقوم بنسخ محتوى المواقع الأخرى وعرضه دون توجيه المستخدم إليها. هذا الأمر أدى إلى انخفاض بنسبة 35% في نسبة النقر على المواقع التي ظهرت فوقها هذه الملخصات. فقد خسر موقع "The Sun" البريطاني 54 مليون زيارة شهرية، وشهد موقع "Chegg" التعليمي انهياراً في سعر سهمه بنسبة 90%، مرجعاً ذلك صراحةً إلى "AI Overviews". والمفارقة أن هذه المواقع هي المصادر الأساسية التي يستقي منها الذكاء الاصطناعي معلوماته.

تتجاوز المشكلة الأخطاء الفردية والمزعجة، لتشمل عمقاً أكبر. فالنماذج اللغوية، التي تسحب إجاباتها من مصادر متنوعة كـ "ريديت" دون تصفية كافية، تعامل المحتوى الجيد والرديء على قدم المساواة، وتقدمه بثقة تامة. هذا يتطلب من المستخدم اليوم درجة من الشك المسبق لم تكن ضرورية في الماضي.

قرارات استراتيجية.. أم اندفاع مذعور؟

ما يثير القلق الأكبر هو أن هذه التغييرات ليست تقنية بحتة، بل هي قرارات استراتيجية. وثائق داخلية كشفت أن مسؤولين سابقين في جوجل كانوا يدركون منذ سنوات تفاقم الاعتماد على الإعلانات. وجاء إطلاق ميزة "AI Overviews" كرد فعل على الخوف من صعود منافسين مثل "ChatGPT". شركة تمتلك أكثر من 90% من سوق البحث العالمي، وتدر إيرادات بمليارات الدولارات من الإعلانات، اتخذت قراراً جريئاً بإطلاق تقنيات غير مكتملة على منتجها الأساسي، مما أدى إلى تعطيل ما كان يعمل لصالح تطوير ما لم يكتمل بعد.

يعيش أصحاب المواقع حالياً كابوساً مستمراً. تشير تقارير مراقبة خوارزميات جوجل إلى حالة اضطراب شبه مستمرة، مع تحديثات متلاحقة وغير معلنة. يروي أصحاب مواقع كيف انخفضت زياراتهم اليومية من مئات الآلاف إلى آلاف قليلة، معتبرين أن "عشر سنوات من العمل ذهبت هباءً". في المقابل، تبدو المواقع الكبرى أقل تأثراً، حيث تميل جوجل إلى مكافأة العلامات التجارية الضخمة، حتى لو كان محتواها سطحياً، بينما تعاقب المواقع المتخصصة والمستقلة.

مستقبل مظلم للإعلانات.. وبدائل للمستخدمين

لا يبدو أن الوضع سيتوقف عند نتائج البحث. نائب رئيس جوجل لقسم المعرفة والمعلومات صرح بأن الشركة لا تستبعد إضافة إعلانات داخل تطبيق "Gemini"، وهو ما يتناقض مع تصريحات سابقة، ولكنه يكشف بوضوح عن توجه الشركة: "أبحاثنا تُظهر أن المستخدمين يُحبون الإعلانات في سياق البحث".

في ظل هذه التطورات، تبرز خيارات بديلة. محركات بحث مثل "Kagi" (مدفوع) و"DuckDuckGo" (مجاني ويدعم الخصوصية) تقدم تجربة بحث أنظف. "Startpage" يستخدم نتائج جوجل مع إزالة التتبع والفوضى البصرية، بينما يبني "Brave Search" قاعدة بياناته الخاصة. هذه ليست مجرد خيارات لهواة الخصوصية، بل هي حلول لمن يريد استعادة تجربة بحث فعالة.

حتى داخل جوجل نفسها، توجد حلول بسيطة. إضافة "udm=14" إلى رابط نتائج البحث يخفي ملخصات الذكاء الاصطناعي. كما يمكن استخدام إضافات مثل "uBlock Origin" لتنقية النتائج. يبقى السؤال المقلق: لماذا أصبح الوصول إلى المعلومة يتطلب خبرة تقنية وأدوات إضافية؟ فجوجل التي بدأت بشعار "لا تكن شريراً" و"نحن نسهل الوصول إلى المعلومات"، باتت اليوم تجري تجارب لوضع الإعلانات داخل روبوتات المحادثة. إنها ليست مسافة قصيرة، بل خيار استراتيجي متكرر فرضته اعتبارات تجارية على حساب جوهر البحث.

الكلمات الدلالية: # جوجل، البحث، الذكاء الاصطناعي، AI Overviews # إعلانات، محركات البحث، مستقبل البحث، ناشري المحتوى، Gemini