القدس المحتلة — في تحول استراتيجي لافت، بدأت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تُعيد تقييم أهدافها المعلنة تجاه إيران، مُقرّة ضمنياً بأن سيناريو إسقاط النظام في طهران ليس هدفاً قريباً أو مضمون التحقيق. هذا التحول يأتي بعد أسابيع من المواجهة الإقليمية الشرسة، ويكشف عن قلق متزايد في تل أبيب من قدرة إيران على إدارة الحرب والتماسك في مواجهة الضغوط العسكرية.
تغيير في الأهداف الاستراتيجية: من إسقاط النظام إلى تقويض القدرات
لم تعد الأحاديث في الأوساط العسكرية الإسرائيلية تركز على "الضربة القاصمة" التي قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني، بل اتجهت نحو لغة أكثر واقعية تتحدث عن تقويض القدرات العسكرية الإيرانية وتعطيل إنتاجها الحربي. وقد أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إيفي دافرين، أن إسقاط النظام ليس هدفاً مباشراً للعمليات العسكرية الحالية، وهو ما يمثل اعترافاً ضمنياً بأن الحرب الجارية، على الرغم من شدتها، تفتقر إلى الأدوات الكفيلة بإعادة تشكيل السلطة في إيران.
هذا التغيير ليس مجرد تفصيل تكتيكي، بل هو إقرار بأن طهران، بقيادة مرشدها الجديد مجتبى خامنئي، ما زالت تحتفظ بعناصر قوة أساسية. تتمثل هذه القوة في أجهزة أمنية متماسكة قادرة على ضبط الشارع، وبنية مؤسساتية عميقة داخل الدولة والمجتمع، بالإضافة إلى قدرتها على إدارة الصراعات الإقليمية عبر شبكة واسعة من الحلفاء.
اقرأ أيضاً
صمود النظام الإيراني وتحديات التدخل الخارجي
على الرغم من الضربات العسكرية الواسعة التي تتعرض لها إيران، تشير التقديرات إلى أن النظام الإيراني أظهر مرونة وصموداً فاق التوقعات الإسرائيلية. فالتجربة التاريخية، خصوصاً في دول ذات بنية اجتماعية وسياسية معقدة كإيران، تُظهر أن الضغط العسكري الخارجي غالباً ما يعزز تماسك الأنظمة بدلاً من إسقاطها، مما يدفعها نحو التشدد والتوسع الإقليمي.
يُضاف إلى ذلك، أن الرهان على انتفاضة شعبية داخل إيران يظل محفوفاً بقدر كبير من الغموض وعدم اليقين. فالدعوات الخارجية للنزول إلى الشوارع غالباً ما تصطدم بواقع داخلي معقد، يتأثر بأجواء الحرب والخطر العسكري الذي قد يدفع المجتمع نحو التماسك الداخلي. وقد أقر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نفسه بأن قرار التحرك يبقى بيد الإيرانيين أنفسهم، مما يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الذي يلوح بتغيير الداخل الإيراني والتقدير العسكري الأكثر حذراً.
غياب التدخل البري وتحالفات القوة
من أبرز المؤشرات التي تجعل مهمة إسقاط النظام الإيراني شبه مستحيلة حالياً هو غياب أي خطط لتدخل بري واسع النطاق، أو تشكيل تحالف دولي قوي على غرار ما حدث في العراق عام 2003. فالحرب الجوية، مهما بلغت كثافتها، لا تستطيع وحدها فرض تغيير جذري في بنية الحكم داخل دولة كبيرة ومتماسكة نسبياً مثل إيران.
ويرى مسؤولون غربيون وخبراء عسكريون أن التدخل البري في إيران يمثل مخاطرة جسيمة ومكلفة وغير مضمونة النتائج، خصوصاً مع سيطرة وتمكن إيران من جغرافية الأرض والبحر. هذا الواقع دفع إسرائيل إلى التعامل مع حقيقة أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إضعاف طويل الأمد للقدرات الإيرانية، وليس تحقيق انتصار سياسي حاسم.
تداعيات الحرب: استنزاف طويل الأمد
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الحرب قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة زمنياً، تدار بمنطق تقليص المخاطر لا تحقيق الحسم. إن إسقاط النظام في إيران يبدو اليوم شعاراً سياسياً أكثر منه خطة عسكرية قابلة للتنفيذ. فالضربات قد تجرح النظام لكنها لا تقتله، وقد تدفعه إلى التشدد والتوسع بدلاً من الانهيار.
أخبار ذات صلة
- مدير جامعة سنجور يشيد بجهود مصر الرائدة في إنجاز صرحها الأكاديمي الجديد ببرج العرب
- وصول 4410 حجاج قرعة إلى المدينة المنورة وتفويج منتظم لمكة المكرمة
- افتتاح جامعة سنجور بالإسكندرية: مركز إفريقي رائد لتأهيل الكوادر بدعم مصري فرنسي
- افتتاح جامعة سنجور بحضور السيسي وماكرون: تعزيز للتعاون المصري الفرنسي وشروط الدراسة والمنح
- المتحف المصري الكبير: 'الهرم الرابع' وعجيبة الدنيا الجديدة بنظر 'التايمز'
وفي سياق متصل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن إدارته غير مستعدة بعد لإعلان انتهاء العملية العسكرية ضد إيران، وذلك رغم تصريحات سابقة عن تدمير القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية. هذا التصريح يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد، ويؤكد أن المواجهة مع إيران قد تتخذ أبعاداً أطول وأكثر استنزافاً مما كان متوقعاً في البداية.
تُبرز هذه المفارقة الاستراتيجية أنه كلما طال أمد الحرب دون حسم، تتحول فكرة إسقاط النظام من هدف معلن إلى عبء استراتيجي غير قابل للتحقيق، مما يدفع الأطراف المعنية إلى إعادة تقييم شاملة لأهدافها ووسائلها.