أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات الرأي / المساجد في نيران الإرهاب

المساجد في نيران الإرهاب

مقال بقلم : د.عادل عامر

إن هذا الاعتداء الإجرامي الذي استهدف مصلين أبرياء ما هو إلا تأكيد على ازدياد انتشار الإرهاب والفكر التكفيري الذي لم يعد يفرق في إجرامه بين أحد على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية وفي كافة دول العالم دون استثناء، والذي يهدف إلى تدمير المجتمعات بأكملها”.

وإذا كانت بعض الدّول والقوى وفي مقدّمتها أمريكا وربيبتها اسرائيل تخلق وتدعم جماعات تتلفّع بثياب الاسلام، لإشعال حروب طائفيّة داخليّة في المنطقة، لتحقيق حلمها بتطبيق “مشروع الشرق الأوسط الجديد” الأمريكي، لإعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفيّة متناحرة، للحفاظ على استمراريّة الهيمنة الأمريكيّة، وتنفيذ المشروع الصّهيوني فيها، فإنّه لا يمكن تبرئة الأنظمة العربيّة التي استغلّت هي الأخرى جماعات الاسلام السّياسي، ودرّبتها وموّلتها لتدمير أكثر من دولة عربيّة، وقتل شعوبها وتشريدها من جريمة التفجيرات التي تستهدف مصر دولة ووطنا وشعبا.

فالجماعات التّكفيريّة التي تستهدف دور العبادة للمسلمين والمسيحيين في البلدان العربيّة لم تخلق من العدم، وإنّما لها جذورها الفكريّة التي تجد من يروّج لها ظنّا منه أنّ لهيب نيرانها لن يعود إليه، فأمريكا التي خلقت تنظيم القاعدة وأوعزت لدول النفط العربي بتمويله لمحاربة السوفييت عندما احتلوا أفغانستان في أواخر سبعينات القرن العشرين، لم تتعلّم من أخطائها عندما ارتدّ تنظيم القاعدة لاستهدافها واستهداف حلفائها الذين دعموا هذا التنظيم.

ومن خلقوا داعش وأخواتها لم يتعلّموا الدّرس المستوحى من القاعدة بعد هزيمتهم في سوريّا والعراق، فقاموا بنقل فلول القاعدة من سوريا عبر تركيا إلى ليبيا وسيناء وغيرها. وبالتّأكيد فإنّه ليس خافيا على الدّولة المصريّة من أدخلوا العناصر الارهابيّة إلى سيناء وغيرها من المدن المصريّة، وكذلك من يسهّلون ادخال السّلاح التّخريبي الارهابيّ إلى سيناء وغيرها في مصر.

وإذا كانت دول ترعى الارهاب وتموّله وهي معروفة للجميع، فإنّه لا يمكن اغفال الفكر الدّيني التّكفيري الذي يُعبّأ به الرّعاع من الجهلة، من خلال استغلال إيمانهم الفطري وتضليلهم؛ ليكونوا وقودا للإرهاب؛ ظنّا منهم أنّهم ينفّذون أوامر اللهّ! وهنا لا يمكن تجاهل فضائيّات تبثّ سمومها وتغذّي الطّائفيّة، وتروّج للفكر التّكفيري، وتنطلق من عواصم عربيّة. فلماذا لا يتمّ حظر هكذا فضائيات؟ وعلى جميع الحكومات والشّعوب العربيّة والاسلاميّة أن تنتبه بأنه لا يمكن القضاء على الارهاب، ما لم يتمّ القضاء على أسبابه وتجفيف منابعه.

أن هذه الأعمال الإجرامية خديعة أعداء الإسلام بهذه الوسائل الإجرامية التي جعلوا بلاد المسلمين ميدانا للقيام بها، لان دماء المصلين التي تراق دون وجه حق وبلا سبب شرعي إنما هي ظلم، وعدوان، وإرعاب، وإرهاب، ومسالك جاهلية، ومن قبل القريب شاهد المصريون بطشهم الذي تكون عبر السنوات ضمن خلايا الجهل والتخلف في مظهر عنف يعادي المصريين وطوائفهم كلها، ويوجه النيران نحو دور العبادة بحرق الكنائس بهدف إشعال الحرب الأهلية. واليوم المساجد «المتطرفون يسعون إلى نشر الفتنة لتدخل المنطقة بأسرها في أتون الحرب التي ستقضي على الأخضر واليابس»،

لقد تصاعد التطرف الديني والاجتماعي والسياسي في هذه المرحلة التاريخية وانتشر بصورة غير مسبوقة، ليس فقط ضد الأديان الأخرى وضد المجتمعات الأخرى بل وبين طوائف ومذاهب الدين الواحد وفي المجتمع الواحد. هذا التطور فاقم أكثر من التناقضات الاجتماعية محليا وإقليميا ودوليا ودفع بها أكثر إلى دائرة العنف والإرهاب السياسي والاجتماعي والثقافي، والأخطر تحول إلى ظاهرة إرهابية لها بنى سياسية مدعومة بحواضن اجتماعية. ومن أسباب هذا التحول هو الارتداد الاجتماعي في ضوء الفشل في حل مشاكل الناس والمجتمعات (السياسية والاقتصادية والثقافية وتلبية الحاجات الأساسية، والاختلال في العلاقات الدولية بما يتناقض مع حقوق الشعوب في العدالة والكرامة والحرية والاستقلال.

إذن في ضوء هذا الفشل وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية مثل الفقر والبطالة والاستثمار اللاعقلاني للطبيعة والموارد وتفاقم التناقضات الاجتماعية في ضوء التوزيع غير العادل للثروة داخل المجتمع الواحد وعلى المستوى العالمي… كل ذلك وسواه يدفع بالناس للبحث عن حلول في سياقات أخرى وبهذا تتوفر الحاضنة لانتشار التطرف الديني والسياسي والثقافي والاجتماعي والسلوكي.

سبب آخر وراء تفاقم ظاهرة التطرف الديني يتمثل في وهم إمكانية استخدام القوى الدينية المتطرفة والسيطرة عليها من قبل الدول لتحقيق أهداف وأجندات سياسية، هذا ما حدث عند دعم حركة طالبان والقاعدة في أفغانستان وهذا ما يحدث جراء دعم العصابات الإرهابية في سورية وليبيا، وهذا ما حدث جراء تعزيز الطائفية في العراق بعد احتلاله عام 2003. وفي هذا الإطار يأتي الصمت والسكوت المهين من قبل الدول التي تدعي الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان على الفكر الديني المتطرف (الفكر الوهابي السلفي) الذي يسود في أنظمة الخليج وخاصة في السعودية، مما شكل حاضنة سياسية وإعلامية ومالية للحركات الإرهابية التي توظف الدين للحفاظ على مصالحها ودورها السياسي.

ومن الأمثلة الأكثر هولا على التطرف والإرهاب الديني هو الاحتلال الإسرائيلي والأيديولوجيا الصهيونية باعتبارهما أكبر مشغل للدين كأداة أيديولوجية لتبرير الاحتلال والقتل وتشريد الشعب الفلسطيني… كل ذلك يجري باسم الله… هذا الاحتلال المدعوم وبصورة كاملة من معظم الدول الغربية والولايات المتحدة ومن بعض اللاهوت المسيحي (المسيحية الصهيونية) التي تبرر هذا السلوك المخيف.

لقد قيل بأن السياسة من الخطورة بحيث لا يجوز تركها محصورة بأيدي السياسيين فقط، وقيل بأن الحرب من الخطورة بحيث لا يجوز إبقاءها بين أيدي العسكريين فقط… كما قيل بأن الاقتصاد من الخطورة بحيث لا يجوز حصرة بالاقتصاديين فقط… ويمكن القول بأن الدين من الخطورة بحيث لا يجوز حبسه في جلابيب رجال الدين فقط… معنى هذا القول أن قضايا الشأن العام وأي فكر أو نشاط اجتماعي هو فعل ينعكس على مجمل حياة الناس، سواء من كان في دائرة ذلك الفعل المحدد والخاص أو كان خارجها… لهذا فالمجتمع بكامله معني برسم حدود ومعايير التعامل والعلاقة مع ذلك الفكر أو النشاط الاجتماعي بحيث لا يتحول إلى قوة تدمير واستنزاف اجتماعي داخلي.

هذه المقاربة لا تعني بالتأكيد الحجر على العقل وحرية الاختيار أو حرية الإيمان الديني أو الانتماء السياسي، بل المقصود صياغة النواظم الصارمة التي تنظم العلاقة بين الناس في مجتمع ما وهم يمارسون قناعاتهم وعقائدهم وإيمانهم المرتبط بخياراتهم الدينية أو الأيديولوجية أو السياسية أو غيرها.

أن العوامل التي ساهمت في ارتفاع الخطاب المعادي للمسلمين والعنف ضدهم هي عوامل معقدة، ولا تنحصر فقط في الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها دول غربية، كذلك الأحكام المسبقة والصور النمطية المشوهة التي تدرج كافة المسلمين على قائمة الإرهاب.

أن المسلمين يواجهون موجات كبيرة من العنف مع تصاعد اليمين المتطرف في أرجاء أوروبا، ساهمت في تصاعد الاعتداءات على المهاجرين العرب، وامتداد لظاهرة الإسلاموفوبيا التي بدأت تجتاح عددا كبيرا من المدن الأوربية، تنوعت بين الحرق المتعمد من قبل متعصبين، أو الاعتداء المباشر على المصليين، بالإضافة إلى إلقاء زجاجات المولوتوف على المساجد، ورؤوس الخنازير.

مصر هي الهدف الأول للإرهاب، لذا فإنه على العالم أن يقف مع مصر، قيادة وشعباً، يقف مع هذه الدولة وقفة سياسية وأمنية وثقافية وقانونية، ويعطي كل الدعم لاستقرار مصر. ومواجهة جماعة الإخوان الإرهابية بالتحديد، هذه الجماعة التي خرجت كل الأفكار الإرهابية من تحت عباءتها، لا يمكن التهاون ولا التسامح مع الإرهاب، في كل يوم يمر والعالم يخسر فيه أكثر وأكثر،

 لذا فإننا اليوم أمام حالة لا يكفي التعامل معها بالإدانات والاستنكار والدموع والصلوات فقط، نحن بحاجة إلى اقتلاع الإرهاب من جذوره، العالم بأكمله تكلم أمس، ودان هذه العملية الوحشية التي لا علاقة لها، لا بدين ولا بمذهب ولا بعقيدة ولا بقومية ولا بشيء من الأشياء، وإنما علاقتها المباشرة بالإرهاب والإجرام والتخويف، فهل يدرك العالم ما الذي يحدث للجنود المصريين الذين يدفعون أرواحهم ثمناً لمواجهة الإرهابيين؟ فلا يكاد يمر أسبوع إلا ويواجه جنود مصر الأبطال أولئك الإرهابيين، فيقتلون منه العشرات.

شاهد أيضاً

مرثاة معبودة الجماهير

بقلم الفنان : محمود عبد الغفار لما كنا صغيرين كان لينا حلم اخضر في قلوبنا ...

%d مدونون معجبون بهذه: